تعود علاقة الإمارات باللؤلؤ إلى آلاف السنين؛ إذ تشير الاكتشافات الأثرية إلى ممارسة صيد اللؤلؤ في المنطقة منذ نحو 8 آلاف عام.
ومن أبرز الشواهد على ذلك «لؤلؤة أبوظبي» التي عُثر عليها في جزيرة مروح، ويُقدّر عمرها بنحو 8 آلاف عام، وتُعد أقدم لؤلؤة طبيعية معروفة في العالم؛ ما يعكس عمق ارتباط سكان المنطقة بالبحر منذ عصور مبكرة.
وقد تطور صيد اللؤلؤ، على مدى قرون، من نشاط بحري إلى أحد أهم أعمدة الاقتصاد المحلي قبل اكتشاف النفط؛ إذ وفر مصدر دخل لشرائح واسعة من السكان.
ونشأت حوله منظومة اقتصادية متكاملة، شملت الغوص وامتلاك السفن وتمويل الرحلات وتجارة اللؤلؤ ونقله وبيعه في الأسواق الخارجية.
موسم «الغوص الكبير»
كان الموسم الرئيس لصيد اللؤلؤ في الإمارات يمتد كل عام من الأول من شهر يونيو حتى الثلاثين من شهر سبتمبر، ويُعرف باسم «الغوص الكبير»، بينما كانت مواسم الغوص الصغير تأتي خلال شهري أكتوبر ونوفمبر.
وكانت السفن تخرج إلى مناطق صيد اللؤلؤ المعروفة بـ «الهيرات»، وتستمر الرحلات أسابيع وشهوراً، لتتحول فترة الغوص إلى موسم اقتصادي تعتمد عليه عائلات ومجتمعات ساحلية بأكملها.
وخلال تلك الرحلات كان الغواصون يهبطون إلى قاع البحر من دون أسطوانات أكسجين أو أجهزة تنفس حديثة، معتمدين على حبس أنفاسهم لجمع المحار قبل العودة إلى سطح الماء.
مستخدمين أدوات بسيطة ومتنوعة، أبرزها «الديين»، وهي حقيبة يجمع فيها الغواص محار اللؤلؤ، و«الزبيل»، وهو حبل متصل بحجر ثقيل يساعده على النزول سريعاً إلى القاع، و«اليدا».
وهو الحبل الذي يُستخدم لسحب الغواص مجدداً إلى السفينة، إضافة إلى «الفطام»، وهو مشبك يوضع على الأنف لمنع دخول الماء.
1200 سفينة للغوص
تكشف الأرقام التاريخية حجم النشاط الاقتصادي والبشري الذي قام حول صناعة اللؤلؤ؛ ففي عام 1925 بلغ مجموع دخل الساحل الخليجي من صادرات اللؤلؤ نحو 10 ملايين روبية هندية.
وفي بداية القرن العشرين بلغ عدد سفن الغوص لاستخراج اللؤلؤ التابعة لساحل عُمان نحو 1200 سفينة، وكانت كل سفينة تقل فريقاً يضم في المتوسط 18 رجلاً، في مؤشر إلى حجم القوى العاملة التي ارتبطت مباشرة بمواسم الغوص.
اقتصاد متكامل
لم يكن الغوص على اللؤلؤ عملاً فردياً، بل منظومة اقتصادية كاملة تبدأ من البحر ولا تنتهي عند عودة السفن؛ فالنوخذة يتولى قيادة السفينة، والغواص ينزل لجمع المحار، و«السيب» يساعده على الصعود، في حين يؤدي بقية أفراد الطاقم مهام مختلفة خلال الرحلة.
أما بعد العودة إلى الساحل فتبدأ مرحلة اقتصادية جديدة؛ إذ ينتقل اللؤلؤ إلى التجار لفرزه وتصنيفه وتحديد قيمته، قبل بيعه ونقله إلى الأسواق الخارجية.
وقد امتدت الاستفادة الاقتصادية من هذه الصناعة إلى أصحاب السفن والتجار والممولين والعاملين في تجهيز الرحلات والنقل والتجارة؛ ما جعل اللؤلؤ أحد أبرز مصادر الدخل في المجتمعات الساحلية قبل ظهور النفط.
من الإمارات إلى أسواق العالم
ساعد الموقع الجغرافي للإمارات على ازدهار تجارة اللؤلؤ وارتباطها بشبكات التجارة البحرية في الخليج والمحيط الهندي، وانتقلت اللآلئ المستخرجة من مياه المنطقة إلى أسواق خارجية، لتصبح واحدة من أهم السلع التي ربطت المنطقة مبكراً بحركة التجارة الدولية.
ولم تكن أهمية اللؤلؤ في قيمته وحدها، بل في الاقتصاد الذي تشكل حوله؛ إذ أسهم في تنشيط حركة السفن والتجارة والتمويل، ورسّخ خبرات تجارية وبحرية لدى سكان المنطقة قبل عقود طويلة من ظهور الاقتصاد النفطي.
ورغم انتهاء عصر الغوص التجاري بصورته القديمة، لم يخرج اللؤلؤ من المشهد الاقتصادي الإماراتي؛ فحسب تقديرات 6 Wresearch بلغ حجم سوق اللؤلؤ الطبيعي في الإمارات نحو 328 مليون دولار في العام الماضي 2025، وسط توقعات بارتفاعه إلى 441 مليون دولار بحلول عام 2032، بمعدل نمو سنوي مركب يبلغ 4.3 %.