حضور متسارع يفرضه الذكاء الاصطناعي في مختلف مجالات الحياة، ولم يعد الأدب والكتابة بمنأى عن ذلك، بعدما أصبحت الخوارزميات قادرة على قراءة كم هائل من النصوص، وتحليل أساليب الكتابة، وتوليد محتوى جديد. وبينما تفتح هذه القدرات آفاقاً واسعة أمام المبدعين والناشرين والقراء، تثير في المقابل أسئلة عميقة حول أصالة الإبداع، وخصوصية التجربة الإنسانية، ومنها: هل تستطيع الآلة أن تحاكي الأدب من دون أن تعيش التجربة؟ وأين ينتهي دورها، ويبدأ خطر الاعتماد الكلي عليها؟
وفي هذا السياق، أكدت أحلام بلوكي، الرئيسة التنفيذية لمؤسسة الإمارات للآداب، مديرة مهرجان طيران الإمارات للآداب، المديرة الإدارية لدار «إلف» للنشر، في حديثها لـ«البيان»، أن القدرات المذهلة للذكاء الاصطناعي في معالجة خلاصات آلاف الكتب وتقديمها في دقائق معدودة، من شأنها أن تعزز سياقات الإبداع والأدب وإنتاج المحتوى وتثريها، مشددة في الوقت نفسه على أن هذه التقنية لا ينبغي أن تتحول إلى أساس أو مصدر وحيد للتعويل والاعتماد، مؤكدة ضرورة توافر أصالة المحتوى، وأن يكون الذكاء الاصطناعي رافداً وداعماً، لا المنبع والأساس، «فهذا خطر»، على حد تعبيرها.
وأوضحت أن خطورة ذلك تتجلى خصوصاً في قدرة هذه التقنية على تمكين المستخدم من امتلاك خلاصات ومضامين مما قد يستغرق من المثقف الحقيقي سنوات طويلة لقراءته، ثم توظيفها في إنتاج محتوى جديد؛ إذ تستطيع أدوات الذكاء الاصطناعي رصد الأنماط اللغوية، وتحليل بنية الحبكة، ومحاكاة أساليب الكتابة، بل وإنتاج قصص جديدة خلال لحظات.
وأشارت أحلام بلوكي إلى أن الأمر يتجاوز حدود الملكية الفكرية والقدرات التقنية، ليمس جوهر التجربة الإنسانية، متسائلة: ما الذي يحدث لوعينا حين تتولى الخوارزميات مهمة تفسير القصص التي تشكل وجداننا وإنسانيتنا؟. وأضافت: «إن الخطر الأكبر لا يكمن فقط في استبدال الكُتّاب بالذكاء الاصطناعي، بل في الاعتماد على التكنولوجيا، بشكل كامل، لتعريف مشاعرنا، وذاكرتنا، ومعنى الوجود».
وأكدت أن نماذج تدريب الذكاء الاصطناعي تعتمد على استخدام أطنان من النصوص والكتب لتعليم الخوارزميات وتطوير لغتها، ومن منظور تقني، يُعد هذا مكسباً هائلاً، لكن الكتاب في المفهوم الإنساني يتجاوز مجرد مجموعة من الكلمات؛ فالقارئ يحتفظ بالكتاب، يضع خطوطاً تحت السطور حين يقرأ، يكتب ملاحظاته، يطوي الصفحات، ويعود إليه بعد سنوات ليكتشف معاني جديدة، وبالطبع يبقى النص ثابتاً، ذلك في حين أن الإنسان هو الذي يتغير وينضج، لذا حتى مع قدرة الذكاء الاصطناعي على استخراج المفردات وحساب تكرارها وتفكيك بنائها، يظل عاجزاً تماماً عن فهم ما الذي يجعل لهذه الكلمات معنى حقيقياً.
وتابعت: «حين ننتقل من القراءة إلى الكتابة، يوفر الذكاء الاصطناعي للمبدعين أدوات تساعدهم في البحث والعصف الذهني وتنظيم الأفكار. والاستخدام الواعي لهذه الأدوات يمنح المبدعين مساحة أوسع للتركيز على الجوانب الإنسانية في عملية الإبداع، لكن ثمة خطاً فاصلاً بين توظيف الذكاء الاصطناعي بوصفه مساعداً، وتسليمه زمام العملية الإبداعية برمتها».
وترى أن الكتابة عبارة عن رحلة يكتشف فيها الكاتب ما يريد قوله فعلاً، والتحديات والصعوبات والمحاولات في الكتابة هي الأساس الذي يصقل النص ويُعرّف الكاتب بنفسه.
وأردفت: «صحيح تماماً أن للذكاء الاصطناعي قدرة هائلة على محاكاة تجربة كاتب ما، أما الصوت الأدبي الأصيل فذلك أساسه التجارب الشخصية، والذكريات، والمشاعر، والرؤى الخاصة التي يستحيل للتكنولوجيا توليدها بالقدرة ذاتها».
وأضافت: «يتعلم الذكاء الاصطناعي بناء القصة وأساليب الكتّاب وتشابه واختلاف الموضوعات الأدبية عبر العصور، غير أن معرفة الأنماط لا تتساوى مع فهم المغزى، فماذا عن ملايين القصص التي لم تُكتب قط ولم تسجلها صفحات الكتب، الآلة لا تستطيع التعلم أو معرفة ما لم يكتب بعد».
وحذرت بلوكي من الاستسلام الكامل للأوامر البرمجية، لأن ترك مهمة تحديد مسار القصة للذكاء الاصطناعي يفقدنا متعة الاكتشاف التي تأتي مع ممارسة الكتابة ذاتها.
وأضافت: «ظل الكتاب عبر التاريخ مرجعاً للذاكرة البشرية، وجسراً يربطنا بالآخرين من عصور وأماكن مختلفة، ومن الضروري استيعاب الفرق الشاسع بين المعرفة التقنية بالنص وبين فهم سبب أهمية القصة للإنسان، لا سيما في ظل تطور الذكاء الاصطناعي بسرعة وربما قدرته مستقبلاً من استيعاب مكتبات العالم».
وأوضحت أنه يمكن للذكاء الاصطناعي صياغة نص عن الحزن دون أن يخوض تجربة الفقد، وأن يوصف الطفولة دون أن يعيشها، لذلك لا ينبغي أن يقتصر نقاشنا حول الذكاء الاصطناعي على قدرته على الكتابة، في حين أن السؤال الأهم هو حقاً ما هو الأدب؟
واختتمت حديثها: «يمكن للذكاء الاصطناعي أن يتعلم ويحاكي التجربة الإنسانية، لكنه لن يكون إنساناً أبداً، فقد يتمكن الذكاء الاصطناعي من التعرف إلى مكتبة كاملة في دقائق، لكن يظل السؤال القائم: هل سيدرك يوماً كيف لكتاب واحد أن يغير حياة إنسان بأكملها».