تفرض قراءة الأدب الكلاسيكي العودة المستمرة إلى ذلك المنبع الجوهري الذي شكّل وعي وفلسفة الرواية الحديثة، والمتمثل في نص الكاتب الإسباني ميغيل دي ثربانتس «دون كيخوت».

ويتجاوز هذا العمل كونه حكاية هزلية عن رجل يطارد طواحين الهواء في براري معزولة، ليتحول إلى فحص لبنية الوهم الإنساني وتداخله مع حركة الواقع، حيث تتشابك الرغبة في التغيير مع شروط الحياة المادية التي تحكم المجتمعات البشرية عبر العصور المختلفة وتحدد أنماط تفكيرها الجماعي.

وتتحدد في مسار الحكاية ملامح الشخصية الرئيسية، ألونسو كيخانو، وهو رجل يستغرق في قراءة مرويات ومصنفات الفروسية القديمة حتى يذوب الحد الفاصل في وجدانه تماماً بين عوالم الكتب وتفاصيل حياته اليومية، ولا يكتفي بتمثل هذا المتخيّل، بل يحاول عيشه على أرض الواقع.

فيتحول إلى «دون كيخوت»، الفارس الجوال الساعي لإنصاف المستضعفين وإشاعة قيم النبل والعدالة، غير أن الحكاية لا تقتصر على رصد عزلة فردية أو جنون شخصي.

حيث يتحول هذا الشغف إلى تجربة جماعية كاملة الأركان تتداخل فيها مصالح الجماعة الفردية مع رغبات الفرد الحالم، إذ تتواطأ الشخصيات المحيطة به في محيطه الاجتماعي لإنتاج هذا الوهم والتعايش معه، بدءاً من صاحب الحانة ووصولاً إلى العابرين في الطرقات، ما ينقل العمل من فضاء المغامرة الفردية الخالصة إلى مساحة تكشف كيف يصنع البشر واقعهم المشترك، ويتأثرون به في سياق العيش اليومي، وتأمين المصالح المتبادلة التي تفرضها الضرورات المادية واليومية.

وفي هذا السياق، لا تظهر طواحين الهواء على أنها خدعة بصرية عابرة في الأفق، بل رمز للاصطدام الحتمي بين طموح الذات الإنسانية الحالمة وثقل العالم المادي وجفافه القاسي الذي يرفض التغيير الجذري.

ويعيد إنتاج نفسه وفق آليات وقوالب ثابتة، وهنا يبرز «سانشو بانثا» ليمثل توازن الحياة اليومية الضروري في مواجهة الإغراق في التخيل، إذ لا يتقدم كصوت مادي محكوم بغريزة البقاء والخوف والربح فقط، بل يمثل الجسد الحي الذي يتلقى الأفكار المجردة ويختبرها في تفاصيل العيش والتعب والمعاناة المستمرة.

ومع تطور الرحلة والمغامرات، تنشأ حوارية لغوية وإنسانية متبادلة بين الطرفين، حيث يتشرّب التابع حلم سيده، ويتعلم الفارس من عفوية تابعه وبساطته الفطرية، وهذا التفاعل يؤسس لمفهوم الصداقة بوصفها مساحة لإعادة اكتشاف الذات والآخر.

حيث يتضح أن السخرية لا تلغي التعاطف الإنساني مع انكسار الفارس، وهزيمته أمام قسوة الظروف الاجتماعية والبيئية المحيطة به في رحلته الطويلة عبر القرى المنعزلة!

وفي الجزء الثاني، يقابل الفارس شخصيات قرأت كتاب مغامراته السابق، ما يعكس عبقرية ميغيل دي ثربانتس في توظيف تقنية «الميتا-رواية» التي تقوم على وعي العمل بذاته.

وتتهدم في هذا السياق التخوم بين الواقع والتخييل لتتحول الفروسية إلى دفاع إنساني عن الحرية وحق الفرد في تقرير مصيره، حيث تتحول شخصية القارئ داخل النص من مجرد مراقب خارجي محايد، إلى صانع حقيقي للأحداث عبر استباق توقعاته وسلوكه لخطوات البطل وتوجيه مصيره السردي.

وتكمن أهمية العمل في قدرته على تدوير الإخفاقات وهندستها لتصبح أداة للوعي، فكل انكسار ومأزق يواجهه «دون كيخوت» يمثل كشفاً للمسافة الفاصلة بين نقاء الفكرة الفلسفية، وشراسة الواقع المادي ومؤسساته التقليدية الصارمة.

ويتحول النص إلى احتجاج إنساني ضد قبول شروط الحياة القائمة، وحين يعود الفارس في نهاية المطاف ليسترد اسمه القديم وينتهي به العمر إلى الموت في سريره الهادئ، يواجه القارئ أثر غياب الحلم في عالم جاف وموحش يسعى لتنميط المشاعر البشرية وحصرها في حدود المنفعة المادية الضيقة!

ويختتم العمل بطرح خلاصة مفادها أن الواقع ليس معطى نهائياً جامداً، بل بنيان يتشكل باستمرار عبر الحكي وإعادة القراءة والـتأويل المتجدد، ما يجعل المتلقي شريكاً فاعلاً في اختبار وصناعة الحقيقة، التي تتولد داخل وعيه الخاص طول مسار التلقي الإنساني المستمر عبر الأجيال والقرون المتعاقبة، في تاريخ الأدب البشري العالمي المشترك، الذي يعيد تدوير هذه الأسئلة الوجودية لفهم طبيعة الكائن ومصيره في الكون.

«الحرية يا سانشو من أثمن ما وهبته السماء للبشر؛ لا تعدلها كنوز الأرض ولا ما يخبّئه البحر، ومن أجل الحرية، كما من أجل الشرف، يمكن للمرء أن يخاطر بحياته.. ويجب عليه».