تنهض دمشق من رماد الذاكرة، كأنما تحنّ إلى معطفها الأول، فيما تشهد رحاب صالة الفيحاء في قلب العاصمة على وقع تكريم واسع يمتد صداه بين سوريا وعميق المنطقة العربية، لحظة فارقة تغصّ فيها الأرجاء بآلاف السوريين في امتداد ساهر حتى بعد منتصف الليل عبر تنظيم جماهيري غفير لم تسعه المدرجات فاصطف خارجاً متابعاً عبر الشاشات الكبرى.
في عودة تاريخية للفنانة السورية أصالة نصري تجسد انكسار جدار الخوف والقطيعة التي فرضتها سنوات الرفض والمواجهة لنظام بشار الأسد على مدى ستة عشر عاماً.
أثبتت القوى الناعمة للدبلوماسية الثقافية حضورها العالمي حين استعادت الشام جغرافيتها بصوت"صولا " للحرية ونبض الشارع العربي في وطن يتنفس اليوم نور عهده الجديد مع القيادة الوطنية للرئيس أحمد الشرع, متأسساً على إجماع وطني وعربي يعيد لبوصلة الشام عافيتها، ومسارِ دولة قانون ومواطنة تبني جسور الاستقرار وتعيد للبلاد نبضها المدني المزدهر، وترفع الهامة نحو آفاق اليقظة حيث تتفتح الأرواح على أمل يعيد للتراب بهجته وللذاكرة طمأنينتها.
يطلّ وزير الثقافة السوري محمد ياسين صالح ليزيح الغطاء عن معدن أصالة الذي وصفته بأنه «ذهبي بكل معنى الكلمة»، مستعيداً سرّاً من أسرار الموقف الخفي حين كانت تبيع مجوهراتها بصمت لتهبها دعماً لأهل بلدها، في فعل مقاومة يسبق الأضواء ويجعل أساور الذهب أرخص من رغيف ودمعة طفل سوري أنهكته الحرب، وهو تصريح أشعل المنصات وأعاد تعريف الوطنية الفنية كمعيار أخلاقي لا يساوم.
وعلى مرأى من هذا الذهب الإنساني، يتحول الصف الأول في صالة الفيحاء بشارع الثورة إلى برلمان وجدان شعبوي، حيث يتصدّر المشهد نخبة من نجوم الفن والثقافة والإعلام وعضو مجلس الشعب الممثلة روزينا لادقاني إلى جانب جهاد عبدو، ووفاء موصلي، ويارا صبري، ونوار بلبل، وماهر صليبي، وجوه إعلامية وفنية أخرى تفاعلت بدموع العين وارتفاع الأكف)، ليحتضنوا ابنة الشام باحتفال وطني وفني يختزل الجرح والرمزية في صفوف الأمام.
وحيث تتماهى عيون الممثلين مع عيون الساهرين في قاعة تحولت إلى محراب ذاكرة مشترك، تأهّبت الليلة الكبرى حين أطلّت أصالة متألقةً بفستان أنيق وعصري، لتتربع على عرش ذاكرة أعدّ خصيصاً لها؛ كرسيّ معتّق بأنفاس الشام، مصمّم بحرفية دمشقية خالصة من خشب الجوز الأصيل والصدف الطبيعي، فيما نُحتت الورود الدمشقية وطُعّمت في أنحاء التصميم يدوياً من نجارة ونحت وتطعيم وتنجيد في عملية استغرقت نحو 12 أسبوعاً، ليتحول الجلوس عليه إلى استعراض رمزية ملكية شعبية تلامس عظم التاريخ والهوية المتعددة.
تنسج الفرقة الموسيقية مقامات الشام على سجاد الحنين في وصلتين تطاول كل منهما ساعتين من البث الحي عبر شاشة "السورية الفضائية" تحت عنوان "عودة الأصالة"، لينفجر الحنين حنجرةً أثقلتها دموع الفرح والحرية في أولى درجات البوح الصادق بلا وصاية وسط تصفيق يضاهي قرع العواصف بأغنية "ارفع راسك فوق.. إنت سوري حر" (موازاة مع "سوريا جنة" بتوزيع جديد دهش الحاضرين)، وتقف غير مصدقة حتى هذه اللحظة "أنها بين أهلها، ولكن تبقى الحقيقة التي آ منت بها "التشافي لا يكون إلا بالفن ، والموسيقى".
وقبل أن تمضي في مشروعها الموسيقي الذي سبق الحفل وتنفس في 14 أغنية تراثية لعموم المحافظات (مروراً بروائع كـ "عالروزانا" و"على دلعونا"و"يا عرب الشرقية"و"والله لأعبي الجرة" و"حطي على النار يا جدة" وصولاً لعشق اللاذقية "على روض الحبيب" وغزل إدلب "سمرا يا بعد عيوني")، تبلغ القاعة ذروة الانفجار الشعبي وحنين الجدور حين تردّد أصالة وترتجّ معها جدران الفيحاء بكلمات النداء الدافئ والحارق "قولوا لأمي أصالة رجعت ع الشام"، ليتوحد الصدى بدموع الملايين ويثبت الوتر أن الدموع حين تسيل على تراب دمشق، تصبح ماءً للخصوبة لا للغياب، ويطوي المسرح ليلته على وعدٍ بأن صوت ابنة الشام ما عاد يغيب.