بين فيديو لا تتجاوز مدته 60 ثانية ومادة صحافية تمتد إلى 1000 كلمة، تتغير معادلة الوصول إلى الجمهور، لكن صعود المحتوى السريع لا يعني بالضرورة تراجع الكلمة المكتوبة، فالدقيقة التي يشاهدها المتلقي على هاتفه قد تكون في الأصل حصيلة ساعات من القراءة والبحث والاطلاع على دراسات وتقارير مطولة، قبل اختصارها وإعادة تقديمها في قالب سريع يناسب المنصات الرقمية.

إعلاميون ومؤثرون أكدوا في تصريحات لـ«البيان»، على هامش قمة الإعلام العربي، أن وضع الفيديو والنص في مواجهة مباشرة لا يعكس حقيقة التحولات التي يشهدها الإعلام، إذ يمتلك الفيديو قوة واضحة في سرعة الوصول وجذب الانتباه، بينما تحتفظ المادة المكتوبة بأهميتها في تقديم السياق والتحليل والتفسير، فضلاً عن كونها مصدراً أساسياً يعتمد عليه صانع المحتوى نفسه قبل إنتاج المادة المختصرة.

وأوضحوا أن المعركة الحقيقية لم تعد بين «60 ثانية» و«1000 كلمة»، وإنما وقت الجمهور وثقته، خصوصاً مع تغير عاداته الإعلامية وارتفاع حجم المحتوى الذي يتعرض له يومياً، ما يفرض على المؤسسات تقديم المعلومة بسرعة من دون التضحية بالعمق والمصداقية.

سوسن طه

ثقة الجمهور

وقالت الدكتورة سوسن طه، نائب عميد كلية الاتصال والإعلام في جامعة العين، إن المعركة الحقيقية اليوم ليست بين الفيديو والنص، ولا بين المنصات التقليدية والرقمية، وإنما تتمحور حول ثقة الجمهور وانتباهه في بيئة إعلامية شديدة السرعة والتشبع بالمحتوى.

وأوضحت أنه من واقع خبرة أكاديمية في مجال الإعلام تمتد إلى نحو 25 عاماً، فإن الجمهور تغير بصورة واضحة، وأصبح أكثر استعجالاً وانتقائية، وأقل استعداداً لمنح وقته لمحتوى لا يضيف إليه قيمة حقيقية، وهو ما يجعل المنافسة على انتباه المتلقي أكثر صعوبة من أي وقت مضى.

وأضافت أن الفيديو يمتلك قوة كبيرة في الجذب والوصول السريع، خصوصاً عبر الهاتف ومنصات التواصل الاجتماعي، لكنه لا يستطيع أن يحل محل جميع الأشكال الصحافية، إذ توجد قضايا سياسية واقتصادية واجتماعية تحتاج إلى سياق وتحليل وتفسير وتعمق، وهنا تظل الكلمة المكتوبة محتفظة بقيمتها.

وأكدت طه أن «الفيديو قد يكسب معركة الوصول، لكن العمق والمصداقية هما ما يكسبان معركة الثقة»، مشيرة إلى أن الجمهور في النهاية لا يبحث عن الشكل بقدر ما يبحث عن قيمة تستحق الوقت الذي يمنحه للمحتوى.

ورأت أن التحدي الحقيقي أمام المؤسسات الإعلامية في المرحلة الراهنة يتمثل في عدم الانجراف وراء السرعة على حساب الدقة والمصداقية، وألا تتحول أرقام المشاهدات إلى المعيار الوحيد للحكم على جودة المنتج الإعلامي.

وقالت إن المؤسسة الناجحة هي التي تعرف متى تستخدم الفيديو، ومتى تمنح المساحة للتحليل والتفسير المتعمق، وكيف تجمع بين السرعة والمصداقية والعمق في الوقت نفسه، بدلاً من التعامل مع القوالب المختلفة باعتبارها بدائل يلغي أحدها الآخر.

وأضافت أن الجمهور قد يصل إلى الخبر للمرة الأولى عبر فيديو قصير، لكنه يبقى مع المؤسسة التي تساعده على فهم ما وراء الخبر، معتبرة أن الرهان الأهم أمام مؤسسات الإعلام مستقبلاً هو قدرتها على الحفاظ على قيمتها المهنية، بالتوازي مع التكيف مع جمهور سريع التغير.

مالك مكتبي

وأكد صانع المحتوى مالك مكتبي، أن التحول المتسارع نحو الفيديوهات القصيرة لا يعني تراجع أهمية المحتوى المكتوب، مشيراً إلى أن مقطعاً لا تتجاوز مدته 60 ثانية يمكن أن يختصر مضمون 1000 كلمة إذا أُعد وصيغ باحترافية، لكن الوصول إلى هذه الدقيقة المؤثرة يبدأ أساساً من القراءة والبحث والاطلاع على المادة المكتوبة.

وقال مكتبي، في تصريحات على هامش قمة الإعلام العربي: «بالتأكيد أقرأ، فكيف يمكن لصانع المحتوى أن يخرج مادة جيدة من دون قراءة؟»، لافتاً إلى أن المحتوى المختصر الذي يصل إلى الجمهور في صورة فيديو سريع قد تقف وراءه عملية بحث مطولة ومصادر ودراسات تمتد إلى آلاف الصفحات.

وأوضح أن اختصار دراسة أو قضية معقدة في سطرين أو مقطع مدته دقيقة لا يعني الاستغناء عن أصل المادة، بل يتطلب من صانع المحتوى العودة إلى التفاصيل وقراءتها وفهم سياقها كاملاً، حتى يتمكن من تكوين صورة متكاملة، قبل استخلاص أبرز ما فيها وإعادة تقديمه بصورة مبسطة ومكثفة للجمهور.

وشدد مكتبي على أن المحتوى المكتوب يظل أساسياً ومرجعاً مهماً في صناعة المحتوى الإعلامي، خصوصاً عند التعامل مع الدراسات والتقارير الموثوقة، إذ تمنح التفاصيل الواردة فيها صانع المحتوى القدرة على فهم القضية قبل تحويلها إلى مادة سريعة تتناسب مع طبيعة المنصات الرقمية.

وأشار إلى أن العلاقة بين الفيديو والنص ليست علاقة إحلال، وإنما تكامل، فبينما تمنح المقاطع القصيرة الجمهور خلاصة سريعة، تبقى المادة المكتوبة والدراسات المطولة مصدراً للعمق والتفاصيل التي يحتاج إليها صانع المحتوى لبناء رسالته على أساس معرفي واضح.

بسمة مصطفى

ألف كلمة

من جانبها، أكدت الإعلامية بسمة مصطفى، أن صعود الفيديو القصير لا يعني تراجع قيمة النص الصحافي المطول أو انتهاء زمن «الألف كلمة»، مشيرة إلى أن السرعة قد تكون حاسمة في الوصول إلى الجمهور، لكنها لا تكفي وحدها لتقديم صورة متكاملة عن القضايا، خصوصاً تلك التي تحتاج إلى تفسير وتحليل وخلفيات متعددة.

وقالت إن «الألف كلمة» تظل مهمة في الموضوعات التي لا يمكن اختزالها في دقيقة أو مجموعة من المشاهد السريعة، لأن القارئ لا يحتاج دائماً إلى معرفة ماذا حدث فقط، وإنما يريد أن يعرف لماذا حدث، وما خلفياته، وما الذي يمكن أن يترتب عليه، وهي أسئلة تحتاج إلى مساحة تسمح بعرض الحقائق والسياق والمصادر والتفاصيل.

وأضافت أن قوة الفيديو تكمن في قدرته على جذب الانتباه ونقل المعلومة بسرعة، بينما تكمن قوة النص المتعمق في منح القارئ فرصة لفهم التفاصيل والعودة إلى المعلومات وربطها ببعضها، معتبرة أن تغير عادات الجمهور لا يعني بالضرورة أنه لم يعد يريد القراءة، وإنما أصبح أكثر انتقائية في اختيار المحتوى الذي يستحق وقته.

وشددت بسمة مصطفى على أهمية الحفاظ على مساحة للصحافة المتعمقة، خصوصاً في التحقيقات والملفات الاقتصادية والاجتماعية والقضايا المركبة، التي يصعب اختزال أبعادها في مقطع قصير، مؤكدة أن «الدقيقة قد تخطف انتباه الجمهور، لكن الألف كلمة الجيدة تستطيع أن تمنحه ما هو أبقى من الانتباه.. الفهم».

سيف بورحمة

وأكد سيف بورحمة، صانع محتوى ومخرج، أن التحول نحو المحتوى القصير جاء استجابة للتغيرات التي طرأت على سلوك الجمهور، خصوصاً عبر منصات التواصل الاجتماعي، حيث أصبح المتلقي أكثر ميلاً إلى المحتوى السريع والمباشر، ما دفع صناع المحتوى إلى تقديم المواد الطويلة في مقاطع قصيرة ومركزة تحافظ على الفكرة والمعلومة من دون إطالة.

وأوضح أن الحلقة التي تمتد لنحو 20 دقيقة يمكن تقسيمها إلى مجموعة من المقاطع القصيرة، بحيث يصل كل مقطع إلى الجمهور بفكرة واضحة ومركزة، بما يتناسب مع طبيعة المتابعة الحالية وسرعة استهلاك المحتوى.

إبراهيم بولحيول

ومن جانبه، يرى إبراهيم بولحيول، صانع محتوى، أن نجاح المادة الإعلامية وقدرتها على الوصول إلى الجمهور لا يرتبطان بعدد الكلمات أو مدة الفيديو، وإنما بطريقة تقديمها ومدى ملاءمتها للجمهور المستهدف.

وأوضح أن المادة، سواء كانت قصيرة أم طويلة، تحتاج إلى لغة قريبة من المتلقي وتتناسب مع مجتمعه واهتماماته، مشيراً إلى أن صناعة المحتوى لا تقوم على وجهة نظر صانعها فقط، وإنما تتطلب فهماً دقيقاً للجمهور وسلوكه والبيئة التي يتفاعل فيها.