بعد سنوات من الغياب تعود أضواء مهرجان دبي السينمائي الدولي لتفتح من جديد نافذة على المشهد السينمائي، حاملة معها ذاكرة مهرجان لم يكن مجرد محطة لعرض الأفلام، بل مساحة التقت فيها المواهب بالخبرات، والحكايات المحلية بالمنصات العالمية.

وبينما يستقبل الوسط السينمائي هذه العودة بآمال واسعة يبرز السؤال الأهم حول ما يمكن أن تضيفه الدورة الجديدة إلى مسيرة السينما الإماراتية، وقدرتها على تحويل المهرجان من حدث احتفالي إلى رافعة حقيقية للإنتاج وصناعة الأفلام.

وفي تصريحات خاصة لـ«البيان» استعاد نخبة من السينمائيين أثر المهرجان في تجاربهم، وطرحوا رؤاهم لما ينبغي أن تحمله عودته من دعم للمواهب، وتطوير للمشروعات، وترسيخ لحضور الفيلم الإماراتي على الخريطة الدولية، مؤكدين أن عودة هذا الحدث المهم تشكل دفعة قوية للحراك الفني، وتمكيناً للمواهب، وتفتح آفاقاً إبداعية جديدة.

دلالات عميقة

ورحبت الشاعرة والفنانة والمخرجة السينمائية نجوم الغانم بعودة مهرجان دبي السينمائي الدولي، واصفة القرار بـ«الخطوة الاستراتيجية الكبيرة»، التي تحمل دلالات عميقة للسينما الإماراتية والعربية، وتعيد وضع الدولة مجدداً على خريطة الفعاليات والأنشطة السينمائية الدولية.

وتوجهت نجوم الغانم بالتهنئة للوسط الفني والسينمائي في دولة الإمارات وإمارة دبي، مؤكدة أن المهرجان شكّل عبر تاريخه واحداً من أفضل 20 مهرجاناً سينمائياً دولياً على مستوى العالم.

وأشادت الغانم بالقرار الذي أعلنته معالي منى غانم المري، نائب الرئيس والعضو المنتدب لمجلس دبي للإعلام، مثمنة التوجّه القائم على «استكمال المسيرة والبناء على ما تحقق»، بدلاً من البدء من الصفر.

وأوضحت الغانم أن هذا القرار يعبر عن تقدير بالغ للجهود التي بذلتها فرق العمل المختلفة على مدى السنوات الماضية، والتي أسهمت في الارتقاء بمكانة دبي وتأسيس حضورها السينمائي المرموق.

وذكرت أن مهرجان دبي السينمائي يُعد واحداً من أبرز المكتسبات الثقافية والفنية للدولة، مشيرة إلى أنه ترك أثراً جليّاً على المشهد السينمائي العربي، وامتد تأثيره ليترك بصمة واضحة في واقع السينما العالمية.

ولفتت الغانم إلى أن عودة المهرجان تأتي في مرحلة تاريخية وصفتها بـ«الدقيقة»، تشهد تحولات وتغيرات متسارعة على خريطة البرامج والأنشطة الفنية عالمياً، مشددة على أن استمرارية الفعاليات السينمائية ورعايتها تُشكّل جوهر الدعم الحقيقي والملاذ الأساسي للحفاظ على المكتسبات الفنية، لا سيما في ظل التحديات الاقتصادية والتقنية والفنية، التي تواجه هذا القطاع.

وجددت دعوتها إلى إعادة النظر في تفعيل منظومة صناديق الدعم والتمويل لتنشيط الحركة الإنتاجية، مع التركيز على تشجيع النصوص والكتابات السينمائية المبتكرة، وتقديم برامج تدريبية متخصصة تعزز الجوانب المهارية والفنية لدى الكوادر الوطنية، منوهة بالدور الراهن الذي تنهض به الجامعات ومؤسسات التعليم العالي من خلال إدراج أقسام وتخصصات سينمائية، ومؤكدة أن هذا التطور الأكاديمي يفرض واقعاً جديداً يستوجب استمرارية الإنتاج لاستيعاب هذه الطاقات.

وفي سياق تقييمها للمشهد الإقليمي دعت إلى المصارحة والواقعية، مشيرة إلى أن منطقة الخليج العربي لم تصل بعد إلى مفهوم «الصناعة السينمائية» بمعناها الاقتصادي والجذري المتكامل، موضحة أن الصناعة الحقيقية تتطلب منظومة بيئية متكاملة، تعتمد على دورتي الإنتاج والعرض المستدامتين، بحيث تعاد العوائد المادية إلى صناديق الدعم لتمويل مشاريع سينمائية جديدة.

واختتمت نجوم الغانم تصريحها بالإعراب عن أملها بأن تكون عودة مهرجان دبي المُنطلق لإحياء الحراك السينمائي وتهميم الشغف لدى المبدعين، استلهاماً لرؤية القيادة الرشيدة في مواصلة العطاء والتطوير للعودة دائماً بشكل أقوى وأفضل.

حدث بارز

من جانبها، أكدت المخرجة السينمائية نايلة الخاجة أن عودة مهرجان دبي السينمائي الدولي تمثل خطوة محورية وحدثاً بارزاً لدعم مسيرة السينما العربية والخليجية على حد سواء، موضحةً أن أهمية المهرجانات الكبرى لا تقتصر على مجرد عرض الأعمال السينمائية، بل تكمن في قدرتها على بناء منظومة متكاملة تجمع المخرجين، والمنتجين، والموزعين، والممولين تحت سقف واحد.

وأضافت أن هذا التجمع يخلق فرصاً حقيقية لاكتشاف المواهب الشابة، وتطوير المشاريع الواعدة، وبناء شراكات استراتيجية، تسهم في نقل الأفلام من النطاق المحلي إلى آفاق الجماهيرية الإقليمية والدولية.

وفيما يتعلق بتطلعاتها نحو ما يمكن أن يقدمه المهرجان للجيل الجديد من السينمائيين شددت نايلة الخاجة على ضرورة التركيز على إتاحة الفرص العملية الفعّالة بدلاً من الاقتصار على الظهور الإعلامي، داعية إلى إيجاد منصات متخصصة لتطوير المشاريع ودعم الإنتاج، وعقد لقاءات مباشرة مع صنّاع القرار والموزعين، وتوفير مساحات حقيقية للمواهب الشابة للوصول بأعمالهم إلى الأسواق والمهرجانات العالمية.

وأشارت إلى تحولات متسارعة تشهدها صناعة المحتوى اليوم، ما يستدعي أن يكون المهرجان مساحة للحوار والنقاش حول مستقبل التوزيع والمنصات الرقمية، وتقنيات الذكاء الاصطناعي، إضافة إلى التغيرات في سلوك الجمهور المستهدف، مؤكدة أن دبي تمتلك موقعاً استراتيجياً مميزاً، يجعلها جسراً طبيعياً يربط بين السينما العربية والسوق السينمائي العالمي، وأن عودة المهرجان ستسهم بشكل كبير في تعزيز هذا الدور الريادي.

آمال كبيرة

وأشار السيناريست محمد حسن أحمد إلى أن عودة مهرجان دبي السينمائي الدولي بعد توقف دام سنوات تحظى بتطلعات وآمال كبيرة من قِبل جميع العاملين في القطاع السينمائي، مشيراً إلى الأهمية البالغة والمكانة الاستثنائية، التي يحتلها المهرجان في قلوب وعقول صناع السينما في الوطن العربي.

وأوضح أن المهرجان شكّل على مدار 14 عاماً المنصة الأهم والوجهة الرئيسة لرواد «الفن السابع»، ولكل من شارك بفيلم أو شاهد عرضاً سينمائياً فيه، مضيفاً أن المرحلة الحالية تشهد تحولات كبيرة وتطلعات واسعة ليكون المهرجان مرتكزاً أساسياً ومحركاً رئيساً للحراك السينمائي المقبل.

وأشار إلى أن المهرجان يقف اليوم أمام مرحلة مفصلية وحالة سينمائية يجب أن تستمر وتتطور، معرباً عن أمله الكبير بأن يترسخ مهرجان دبي السينمائي في موقع أكثر تميزاً خلال الدورات المقبلة.

وشدد محمد حسن أحمد على أن الهدف الأهم في هذه المرحلة هو وجود تطلعات حقيقية ودعم ملموس لصنّاع الأفلام، سواء من فئة الشباب الواعد أو من السينمائيين المحترفين، لافتاً إلى أن «السينما هي من تروي الحكاية، ومن الضروري جداً أن تظل حاضرة ومستمرة».

ونوه بأن دولة الإمارات كانت دائماً وأبداً في طليعة المبادرات والحالات السينمائية الرائدة، وأن هذه المسيرة التي بدأت ستستمر ولن تتوقف، مؤكداً أهمية وجود رؤية محلية طموحة تنقل الفيلم الإماراتي إلى العالمية عبر المهرجان، من خلال توفير صناديق الإنتاج، وإطلاق المسابقات المتخصصة، ودعم الحضور في المهرجانات الدولية تحت مظلة مهرجان دبي السينمائي.

وأكد أن شغف السينمائيين ورسالتهم مستمران بلا توقف حتى وإن توقفت المهرجانات بعض الوقت، مبيناً أن الاستمرار هو الأساس، وأن عودة المهرجان تشكل خطوة جوهرية نابعة من أهمية وجوده ودوره الحيوي.

دور محوري

وأكدت المخرجة السينمائية عائشة الزعابي أن استئناف مهرجان دبي السينمائي لفعالياته يمثل إنجازاً كبيراً، مشيرة إلى أنه يلبي مطالب واسعة من صنّاع السينما، الذين طالما نادوا بعودته ليكون نافذة أساسية تجمع المبدعين.

وأوضحت الزعابي أن المهرجان أدى دوراً محورياً في تعريف العالم بالمخرجين الإماراتيين والعرب، وكان منصة مثالية للاستماع إلى آراء النقاد العالميين، والاستفادة من خبراتهم لتطوير المهارات والتجارب السينمائية، داعية إلى ضرورة توفير منصات دعم مستمرة لمرحلة ما بعد المهرجان، بحيث لا يقتصر الدور على العروض المحلية، بل يمتد لفتح آفاق أوسع أمام الأفلام العربية للوصول إلى المحافل والمنصات العالمية.

وأشارت إلى تجربتها الشخصية مع المهرجان، موضحة أنه كان السبب الرئيس في اكتشاف موهبتها وتحديد مسارها المهني مخرجة، لما يوفره المهرجان من فرص للتواصل مع كبار المنتجين والممثلين وصقل الخبرات من عام إلى آخر.

وشددت الزعابي، الحاصلة على جائزة «المهر الإماراتي» عام 2014، على أن عودة المهرجان تحفز المخرجين على العودة بقوة إلى شاشات السينما وإنتاج أعمال فنية جديدة، معربة عن تطلعها إلى تقديم أعمال سينمائية رفيعة المستوى، تليق بمكانة دولة الإمارات وإمارة دبي في المحافل الدولية.

سينما وطنية

وتحدث المخرج والكاتب طلال محمود عن القيمة المضافة والأثر الملموس الذي تحدثه عودة المهرجانات السينمائية الدولية، وعلى رأسها مهرجان دبي السينمائي الدولي، في المشهد الفني المحلي، مؤكداً أن النجاح الحقيقي لأي مهرجان يعود إلى الساحة يرتبط بالدرجة الأولى بمدى قدرته على إحياء الحركة السينمائية الوطنية، ودعم صانع الفيلم المحلي. وأوضح محمود أن التساؤل الأول والأهم الذي يطرحه صانع الفيلم مع تداول أنباء عودة المهرجانات هو: «ماذا سيقدم هذا الحدث للسينما المحلية؟ وهل سيأخذ بيد المخرجين والمنتجين الإماراتيين أم يكتفي بدعوتهم كضيوف للمرور على السجادة الحمراء؟».

وأشار إلى أن المشهد السينمائي الحالي لا يحتاج إلى مظاهر احتفالية مجردة، بل إلى منصة تمكين حقيقية، تتيح للسينمائيين عرض قصصهم وبيئتهم أمام الجمهور والخبراء القادمين من مختلف دول العالم، مشدداً على أن الأولوية يجب أن تُعطى للصناعة المحلية قبل التفكير في الاستقطابات العربية أو العالمية.

وأكد أن الشارع السينمائي يترقب هذه العودة بحماس كبير، شريطة أن تتوج بحضور مكثف للأفلام الإماراتية بمختلف أنواعها وفئاتها، سواء الطويلة أو القصيرة، أو الوثائقية وأعمال التحريك، وهو ما سيمنح المهرجان زخماً حقيقياً يعكس هوية البلد المستضيف. ووجّه طلال محمود نداء إلى صناع الأفلام في الإمارات، داعياً إياهم إلى العودة للبيئة المحلية، واستلهام الحكاية الإماراتية الأصيلة بدلاً من استنساخ التجارب والأفكار الهوليوودية أو الخارجية.

وأشار إلى أن أزمة غياب الفيلم المحلي لا تعود إلى عزوف الجمهور كما يُشاع، بل إلى ضعف الطرح وغياب الهوية الخاصة بالفيلم، مشدداً على أن سر نجاح السينمات العالمية، كالمصرية، والهندية، واليابانية، والكورية، يكمن في استنادها إلى واقعها وبيئتها الخاصة.

ولفت إلى أن تقديم فيلم بهوية إماراتية لا يعني الانغلاق، بل إن النسيج المجتمعي التعددي والممتد في الدولة يمنح الكاتب والمخرج مرونة عالية لطرح قصص، تتفاعل مع مختلف الثقافات والجنسيات المقيمة، ما يجعل الحكاية المحلية قابلة للوصول إلى العالمية بكل سهولة.

واختتم المخرج طلال محمود حديثه بتأكيد أن الكرة اليوم في ملعب صنّاع السينما والجهات المنظمة للمهرجانات معاً، لتحويل هذه العودة إلى نقطة انطلاق جديدة تؤسس لصناعة سينمائية إماراتية مستدامة وقادرة على المنافسة.