لم يعد الجمهور ينتظر الخبر حتى يصل إليه، فالخبر بات يبحث عن الجمهور، يظهر على شاشة الهاتف خلال ثوانٍ من وقوع الحدث، ويتنقل بين منصة وأخرى قبل أن تتاح أحياناً فرصة التحقق من مصدره أو سياقه، وبينما أتاحت التكنولوجيا للمؤسسات الإعلامية أدوات أسرع لإنتاج المحتوى وتوزيعه، فتحت مساحة أوسع لانتشار المعلومات المضللة والمجتزأة والمحتوى المصطنع.

وتكشف هذه التحولات أن التحدي الحقيقي أمام الإعلام لم يعد مجرد الوصول إلى الجمهور قبل الآخرين، وإنما الوصول إليه بالمعلومة الصحيحة، في الوقت المناسب، وبما يكفي من السياق الذي يمنع إساءة فهمها أو إعادة توظيفها خارج معناها.

ويكتسب هذا التحدي أهمية أكبر مع توسع استخدام الذكاء الاصطناعي، وصعود المنصات الاجتماعية وصناع المحتوى كمصادر للأخبار، ويشير «تقرير الأخبار الرقمية 2026» الصادر عن معهد رويترز لدراسة الصحافة إلى أن شبكات التواصل الاجتماعي والفيديو أصبحت، للمرة الأولى عالمياً، المصدر الأكثر استخداماً للوصول إلى الأخبار، بنسبة 54 % من الجمهور في الأسواق الـ48 التي شملها التقرير، مقابل 51 % للمواقع والتطبيقات التابعة للمؤسسات الإخبارية، فيما يستخدم 10 % من المشاركين روبوتات المحادثة للحصول على الأخبار.

وفي المقابل، تراجعت الثقة العامة في الأخبار إلى 37 %، وهي أدنى نسبة يسجلها التقرير منذ بدء قياس هذا المؤشر عام 2015، فيما ارتفعت نسبة القلق من الأخبار الكاذبة والمضللة إلى 62 %، لتبدو معركة الإعلام اليوم أقل ارتباطاً بمن يصل إلى الجمهور أولاً، وأكثر ارتباطاً بمن يستطيع الاحتفاظ بثقته.

ورأى بول باسكوبيرت، رئيس وكالة «رويترز» للأنباء، أن الذكاء الاصطناعي يمثل أداة مهمة لتعزيز العمل الصحفي ورفع الإنتاجية وتسريع إنتاج الأخبار، لكنه لا يمكن أن يحل محل المسؤولية البشرية أو معايير الدقة والمساءلة التي تقوم عليها الصحافة الموثوقة، حيث تتعامل «رويترز» مع الذكاء الاصطناعي باعتباره امتداداً لمسار التطور التكنولوجي الذي رافق المؤسسة على مدى 175 عاماً، فيما بدأت قبل نحو عامين ونصف التحول نحو نموذج إخباري مدعوم بالذكاء الاصطناعي، من خلال الاستثمار في التكنولوجيا والمهارات وبناء القدرات.

ولكن هذا التحول يضع فاصلاً مهماً بين استخدام التقنية لتسريع العمل الصحفي وبين منحها صلاحية تحديد الحقيقة، فالأداة تستطيع دعم البحث والإنتاج والتحرير، لكنها لا تعفي الصحفي من مراجعة المعلومات وربطها بمصادرها وفحصها قبل النشر.

وأكد باسكوبيرت، أهمية اختبار أدوات الذكاء الاصطناعي بصورة تدريجية قبل اعتمادها، مع إبقاء الإنسان في مراحل العمل الأساسية وربط المعلومات بمصادرها، بما يعزز الشفافية ويحافظ على ثقة الجمهور، ويصف الحدود الأخلاقية لاستخدام التقنية بأنها «تُرسم بقلم رصاص»، في إشارة إلى حاجتها المستمرة للمراجعة مع اتساع الاستخدامات وتغير المخاطر، وهنا تبدو المعادلة واضحة: يمكن للآلة أن تسرع الوصول إلى المعلومة، لكنها لا تستطيع أن تتحمل وحدها مسؤولية القرار الصحفي.

وأكد الإعلامي المصري رامي رضوان أن سرعة وصول الخبر عبر المنصات الرقمية لا تعني بالضرورة اكتمال الحقيقة، وأن قيمة الإعلام المهني تظل مرتبطة بقدرته على التحقق من المعلومات وفهم سياقها وتقديمها للجمهور بمصداقية ودقة.

وأشار إلى أن الجمهور قد يصل إلى الخبر خلال ثوانٍ عبر منصات التواصل الاجتماعي، لكنه يعود في الأحداث المهمة إلى المصادر التي يثق بها للتأكد مما حدث بالفعل.

ومن هنا، لا يرى أن التحدي أمام الإعلام التقليدي يتمثل في منافسة المنصات على سرعة النشر، وإنما في الحفاظ على ثقة المتلقي في ظل تعدد مصادر المعلومات وتسارع دورة الأخبار.

مساحة للشائعة

وأكد الدكتور ناصر محيسن، وكيل وزارة الإعلام ورئيس مركز التواصل الحكومي في دولة الكويت، أن الشائعات تمثل أحد أبرز التحديات التي تواجه الحكومات، خصوصاً خلال الأزمات، مشدداً على أن حضور الخطاب الرسمي منذ اللحظات الأولى، إلى جانب دقة المعلومات وموثوقيتها، يمثلان عناصر أساسية للحد من انتشار الأخبار المغلوطة.

وأشار إلى أن غياب المعلومة في بيئة مفتوحة وسريعة التداول لا يترك فراغاً محايداً، بل قد تملؤه روايات غير دقيقة أو معلومات مبتورة وشائعات يصعب تصحيح آثارها بعد انتشارها، لافتاً إلى أهمية تحقيق التوازن بين سرعة إيصال المعلومة ودقتها، مع تقديم المعلومات المتاحة بصورة واضحة ومستمرّة وتحديثها كلما ظهرت مستجدات.

وأضاف: التوقيت أصبح جزءاً من المسؤولية الاتصالية، إذ إن تأخر المعلومة الرسمية قد يوسّع مساحة الشائعة، بينما يسهم التواصل الواضح والمستمر في منح الجمهور مصدراً موثوقاً لفهم الحدث وسد الفجوة بين الرسالة الحكومية والجمهور، مشيراً إلى أهمية تبسيط الرسالة الرسمية لتصل إلى الجمهور بصورة واضحة وسهلة، والاستفادة من المؤتمرات الصحفية واللقاءات التلفزيونية والمنصات الرقمية لتعزيز التواصل المباشر.

وأوضح صانع المحتوى نواف النعيمي، أن ثقة الجمهور هي أهم رصيد يمتلكه صانع المحتوى، وأن الانتشار الذي يتحقق على حساب هذه الثقة يتحول في النهاية إلى خسارة، مهما ارتفعت المشاهدات والتفاعلات، ومن هذا المنطلق، يصبح تأجيل نشر معلومة حتى التحقق منها أكثر مسؤولية من نشرها لمجرد تحقيق السبق.

وأشار إلى أن التحقق ينبغي ألا يكون خطوة لاحقة لإنتاج المحتوى، وإنما مرحلة أساسية تبدأ قبل النشر، من خلال العودة إلى المصدر الأصلي، والاستعانة بمصادر موثوقة ومستقلة، والفصل بين الحقيقة والرأي، حيث تزداد أهمية هذه القاعدة مع انتشار الصور ومقاطع الفيديو التي يمكن إعادة استخدامها في سياقات مختلفة.

فقد يكون المحتوى حقيقياً في الأصل، لكن اقتطاعه أو إعادة نشره في زمان أو مكان مختلفين يمكن أن يغير معناه بالكامل.

يطرح النعيمي، مجموعة من الأسئلة التي ينبغي أن تسبق عملية النشر: من نشر المحتوى أولاً؟ ومتى وأين تم تصويره؟ وهل يعكس السياق كاملاً؟ وتشمل عملية التحقق البحث عن النسخة الأصلية، واستخدام أدوات البحث العكسي للصور ولقطات الفيديو، ومقارنة المعلومات مع مصادر موثوقة ومستقلة، والتواصل مع الجهات المعنية عند الحاجة.

وأضاف: لا يكفي، وفق هذا التصور، الاعتماد على نتيجة أداة واحدة لكشف المحتوى المصطنع، أو على الانطباع البصري للصورة، خصوصاً عندما تكون المعلومة ذات تأثير في قناعات الجمهور أو سمعة الأشخاص، مؤكداً أن الشك في صحة المعلومة ليس سبباً لنشرها، بل سبباً للتريث، وأن عدم توافر أدلة كافية على صحة محتوى مؤثر يجعل تعليق نشره خياراً أكثر مسؤولية من المجازفة بتوسيعه قبل التحقق منه.

كما تتضاعف المسؤولية عندما يكون المحتوى منتجاً باستخدام الذكاء الاصطناعي، إذ ينبغي توضيح طبيعة المواد التي تم توليدها أو تعديلها، خصوصاً الصور والمشاهد التوضيحية، حتى لا يعتقد الجمهور أنها توثيق حقيقي لحدث وقع بالفعل.

تطوير الأدوات

وأكد بيدرو فارغاس ديفيد، رئيس مجلس إدارة «يورونيوز» والرئيس التنفيذي لشركة «ألباك كابيتال»، أن التحولات المتسارعة في صناعة الإعلام واتساع دور المنصات الرقمية وتغير أنماط استهلاك المحتوى تفرض على المؤسسات تطوير أدواتها وأساليب عملها، من دون التخلي عن الأساس الذي تقوم عليه علاقتها بالجمهور «المصداقية والثقة».

وأشار إلى أن الجمهور يميل، خصوصاً أثناء الأحداث الكبرى، إلى العودة إلى المؤسسات والعلامات الإخبارية التي راكمت ثقة طويلة الأمد، ما يجعل هذه الثقة أحد الأصول الأساسية للمؤسسات الإعلامية في مواجهة التحولات الرقمية.

وأضاف: لا تنفصل الثقة، وفق هذا التصور، عن قدرة المؤسسة على الاستمرار اقتصادياً، إذ يرتبط النموذج الاقتصادي المستدام باستقلالية المؤسسة وقدرتها على الاستثمار في غرف الأخبار والتقنيات الحديثة.

وأوضح عمر المهيري، المختص بتقنية المعلومات، أن التطور المتسارع للذكاء الاصطناعي جعل العين والأذن وحدهما غير كافيتين للتحقق من المحتوى الرقمي، بعدما أصبحت الصور والفيديوهات والمقاطع الصوتية المصطنعة أكثر واقعية.

وأشار إلى أهمية الاستناد إلى مؤشرات تقنية، مثل تناسق الإضاءة والظلال وحركة الوجه والشفاه، وفحص البيانات الوصفية وآثار التعديل والضغط، إلى جانب مقارنة المحتوى بالنسخة الأصلية والاستعانة بأدوات متخصصة للكشف عن المواد المولدة أو المعدلة بالذكاء الاصطناعي.