يتعامل الرئيس الأمريكي دونالد ترامب مع طفرة الذكاء الاصطناعي باعتبارها أحد محركات النمو الاقتصادي والقوة التكنولوجية للولايات المتحدة، ويقاوم أي توجه قد يبطئ توسع القطاع أو يفرض عليه قيوداً واسعة. لكن هذا اليقين الذي يظهر في خطاب ترامب لا يعكس الصورة كاملة داخل البيت الأبيض، حيث تتزايد المخاوف من مخاطر أمنية واقتصادية قد ترافق القفزات السريعة في قدرات هذه التكنولوجيا.

وبينما يقلل ترامب علناً من التحذيرات المتعلقة بالذكاء الاصطناعي، تشهد إدارته نقاشاً متصاعداً حول احتمالات استخدام الأنظمة المتقدمة في الهجمات السيبرانية والتهديدات البيولوجية، وتأثيرها في الوظائف والأسواق المالية والبنية التحتية الحساسة. وفي قلب هذا النقاش: كيف يمكن للولايات المتحدة تشديد ضوابط السلامة من دون أن تمنح الصين أفضلية في السباق العالمي على الذكاء الاصطناعي؟

وتناولت صحيفة نيويورك تايمز مناقشات البيت الأبيض حول الذكاء الاصطناعي في تقرير موسع استندت فيه على بيانات وتصريحات مطلعين على الأمر. 

الأسبوع الماضي، أوضح الرئيس الأمريكي دونالد ترامب أنه ينظر إلى المخاوف من أن يؤدي الذكاء الاصطناعي إلى انقراض جماعي باعتبارها «خدعة»، كما وصف معارضي إنشاء مراكز البيانات بأنهم أشخاص «يريدون أن ينتهي بهم المطاف متخلفين وفقراء»، وتمسك بوصفه بأن الذكاء الاصطناعي بمثابة دجاجة تبيض ذهباً وتقود النمو المتعثر في الاقتصاد الأمريكي. 

لكن أشخاصاً ناقشوا القضية مع ترامب على انفراد يقولون إن هذه المواقف ترتبط بمخاوف لديه من أن يؤدي تباطؤ طفرة الذكاء الاصطناعي، التي تغذي جزءاً كبيراً من الاقتصاد الأمريكي، إلى انهيار الأسواق ودخول الاقتصاد سريعاً في حالة ركود.

وتلقى توجه ترامب الرافض للتنظيم وإبطاء التطور دعماً من بعض أكثر الأصوات نفوذاً في وادي السيليكون، وفي مقدمتهم المستثمر ديفيد ساكس، الذي تدخل لتخفيف أمر تنفيذي في أيار كان سيُلزم بإجراء مراجعات للسلامة على نماذج الذكاء الاصطناعي الجديدة.

كما تحدث مارك زوكربيرغ، الرئيس التنفيذي لشركة «ميتا»، وجنسن هوانغ، الرئيس التنفيذي لشركة «إنفيديا»، مع ترامب، وأبلغوه بأن الخطر الأكبر يتمثل في أن تتفوق الصين على الولايات المتحدة في سباق الذكاء الاصطناعي.

لكن النقاش داخل الإدارة الأمريكية أكثر تعقيداً بكثير، إذ توجد أصوات أخرى مقربة من الرئيس تدعوه إلى قدر أكبر من الحذر.

صيف غيّر الحسابات

يعكس هذا الاتجاه الأكثر حذراً داخل البيت الأبيض قلقاً متزايداً من أن سلسلة مفاجآت مرتبطة بالذكاء الاصطناعي خلال الصيف جعلت مجموعة من المخاطر تبدو أكثر واقعية، بعدما كان كثيرون قبل عام فقط يعتبرون الحديث عنها مبالغة صادرة عن المتشائمين بشأن مستقبل التكنولوجيا.

وبات حتى بعض أكثر المتحمسين للذكاء الاصطناعي داخل الإدارة يقرون بأن اختراق البنية التحتية باستخدام هذه التكنولوجيا، والتهديدات البيولوجية، والهجمات على أنظمة القيادة والسيطرة النووية، وفقدان الوظائف، وعدم الاستقرار المالي العالمي، كلها احتمالات تبدو اليوم أكثر قابلية للتحقق مما كانت عليه قبل خروج بعض «وكلاء الذكاء الاصطناعي» عن السيطرة.

ومن المنتظر أن يحتدم النقاش بشأن سلامة الذكاء الاصطناعي خلال عطلة نهاية الأسبوع، عندما يلتقي وزير الخزانة سكوت بيسنت نظيره الصيني في نيويورك، لوضع جدول أعمال لقاء ترامب مع الرئيس الصيني شي جين بينغ في واشنطن، والذي يبدأ الأربعاء.

ويسعى بيسنت إلى التوصل إلى نوع من التفاهم بين ترامب وشي يظهر أن الولايات المتحدة والصين تعملان معاً لمعالجة المخاطر المشتركة المرتبطة بالذكاء الاصطناعي.

لكن مسؤولين يقولون إن بعض أكثر الأفكار طموحاً المتداولة بين خبراء السلامة، ومنها الاتفاق على معايير مشتركة ومراجعة النماذج الصينية والأمريكية الجديدة قبل طرحها للجمهور، من غير المرجح أن تدخل ضمن أي اتفاق أولي.

وقال دبلوماسي مشارك في هذه الجهود إن «أفضل ما يمكن أن نأمل به» ربما يكون تشكيل مجموعة عمل أمريكية-صينية، تبني على اتفاق يعود إلى عهد الرئيس السابق جو بايدن بشأن عدم استخدام الذكاء الاصطناعي في القرارات المتعلقة باستخدام الأسلحة النووية.

غير أن ذلك لا يعالج التعقيد المتزايد المرتبط بوكلاء الذكاء الاصطناعي الذين يعملون بصورة غير متوقعة، وهي ظاهرة فاجأت الصناعة والحكومة خلال الصيف.

معضلة النماذج الصينية

كما لا يحسم هذا المسار المسائل الأساسية المتعلقة بوضع ضوابط على أكثر نماذج الذكاء الاصطناعي تقدماً.

ويمكن للولايات المتحدة أن تتحرك بصورة منفردة وتفرض مراجعات إلزامية لسلامة النماذج الأمريكية الجديدة، إلا أن ترامب ومساعديه يعتقدون أن مثل هذه الخطوة قد تدفع السوق العالمية عملياً باتجاه البدائل الصينية، التي يعتمد كثير منها على نماذج مفتوحة المصدر.

وتزداد المشكلة تعقيداً لأن المستخدمين يستطيعون تعديل هذه النماذج المفتوحة وإزالة «حواجز الحماية» المصممة للحد من قدراتها، ما قد يقلل قيمة أي مراجعة سابقة للسلامة.

ويرغب ترامب، بحسب ممثلين عن شركات، في الاجتماع الأسبوع المقبل بمسؤولي شركات الذكاء الاصطناعي، رغم أن مسؤولاً في البيت الأبيض قال الخميس إنه لم يتم حتى الآن إدراج اجتماع من هذا النوع على جدول الرئيس.

وفي حال انعقاد الاجتماع، فمن المرجح أن يشارك فيه مسؤولون تنفيذيون دعوا خلال الأيام الأخيرة إلى إبطاء طرح النماذج الجديدة، وهو توجه يعارضه ترامب علناً.

خلاف مع «أنثروبيك»

ولا يتوقع كثيرون دعوة داريو أمودي، أحد مؤسسي شركة «أنثروبيك»، إذ مُنعت منتجات شركته من الاستخدام في وزارة الدفاع الأمريكية، كما أثار غضب ترامب بعد أن طرح في نهاية الأسبوع الماضي خطة مفصلة تدعو القطاع إلى إبطاء وتيرة التطوير والاستعانة بمفتشين مستقلين للسلامة.

ورفض ترامب طرح أمودي، وهاجم فئة لم يسمها وصف أفرادها بأنهم «منظرو مؤامرة وخونة ومسرّبون»، متهماً إياهم بتسييس النقاش حول الذكاء الاصطناعي وتقويض ريادة الولايات المتحدة.

لكن توم براون، وهو مؤسس آخر لـ«أنثروبيك» ويثير حساسية أقل داخل البيت الأبيض، يتحدث بانتظام مع مسؤولين في الإدارة.

كما تحدث ترامب خلال الأيام الأخيرة مع سام ألتمان من «أوبن إيه آي» وإيلون ماسك من «سبيس إكس»، وكلاهما أيد بصورة عامة بعض عناصر خطة أمودي، ومنها إبطاء التطوير واختبار النماذج الجديدة بحثاً عن نقاط الضعف والسماح لمفتشين من خارج الشركات بفحصها.

قلق داخل البيت الأبيض

وتزايدت خلال الأشهر الماضية مخاوف وزير الخزانة سكوت بيسنت، ورئيسة موظفي البيت الأبيض سوزي وايلز، من احتمال أن يتسبب الذكاء الاصطناعي في اضطرابات واسعة داخل قطاعات متعددة، ومن بينها اختراق مؤسسات مالية كبرى بطريقة قد تهدد استقرار الاقتصاد العالمي.

وبدأت وايلز هذا العام تشكيل مجموعة غير رسمية لدراسة كيفية التعامل مع المخاطر الناجمة عن ظهور نماذج جديدة وأكثر قوة.

وقال مسؤول في الإدارة إن بيسنت أحد أبرز أعضاء هذه المجموعة، فيما تتم الاستعانة بخبراء آخرين بحسب طبيعة القضية المطروحة.

وكانت وايلز قد كتبت في منشور في 6 أيار أن للإدارة «هدفاً واحداً: ضمان نشر أفضل التقنيات وأكثرها أماناً بسرعة لهزيمة أي تهديد».

وأضافت أن البيت الأبيض سيواصل قيادة نهج «أمريكا أولاً»، بما يمكّن المبتكرين الأمريكيين، وليس البيروقراطية، من قيادة الاستخدام الآمن للتقنيات القوية مع الحفاظ على أمن الولايات المتحدة.

وعندما سُئلت إليزابيث هيوستن، المتحدثة باسم البيت الأبيض، عن اتهام ترامب بالمبالغة في مخاطر الذكاء الاصطناعي، قالت إن الرئيس يقصد أن «استخدام الديمقراطيين للمخاوف المتعلقة بالذكاء الاصطناعي لتحقيق مكاسب سياسية هو الخدعة».

وأضافت أن ترامب تراجع عن ما وصفته بـ«النهج الفاشل» لإدارة بايدن، الذي قالت إنه قيّد الابتكار وأضر بالمستهلكين وكاد يكلف الولايات المتحدة تفوقها التنافسي على الصين.

من يدير سياسة الذكاء الاصطناعي؟

ورغم تحول الذكاء الاصطناعي إلى واحدة من أهم القضايا بعيدة المدى المتعلقة بصحة الاقتصاد الأمريكي والأمن القومي، فلا يوجد داخل البيت الأبيض شخص واحد يتولى تنسيق السياسة المتعلقة بهذه التكنولوجيا.

ولا يُذكر ماركو روبيو، بصفته مستشاراً للأمن القومي، كثيراً باعتباره لاعباً رئيسياً في هذه الملفات.

كما ألغى البيت الأبيض منصب نائب مستشار الأمن القومي لشؤون الأمن السيبراني والتقنيات الناشئة، الذي أنشئ في عهد إدارة بايدن.

أما مدير الأمن السيبراني الوطني، وهو منصب أنشأه الكونغرس، فلا يتمتع إلا بسلطة غير مباشرة على قضايا الذكاء الاصطناعي. ويتولى المنصب حالياً شون كيرنكروس، المسؤول السابق في اللجنة الوطنية للحزب الجمهوري، الذي كانت خبرته في مجال الأمن السيبراني والذكاء الاصطناعي محدودة قبل توليه المنصب.

كما شهدت مؤسسات حكومية خسارة جانب من خبراتها التقنية، بما فيها وكالة الأمن السيبراني وأمن البنية التحتية التابعة لوزارة الأمن الداخلي.

وقال القائم بأعمال مدير الوكالة الأسبوع الماضي إنها تعمل على توظيف نحو 250 موظفاً جديداً، بعدما فقدت منذ عودة ترامب إلى البيت الأبيض نحو ألف وظيفة، أي ما يقارب ثلث قوتها العاملة.

ونتيجة لذلك، أصبح ملف الذكاء الاصطناعي أشبه بـ«كرة ساخنة» داخل الإدارة، ينتقل فيها النفوذ بين مسؤول وآخر بحسب القضية المطروحة والظروف السياسية.

مخاوف من نماذج أكثر قوة

ومع ذلك، يوجد مسؤولون آخرون، ولا سيما في مجلس الأمن القومي الذي تقلص حجمه إلى حد كبير، ووزارة الطاقة، يتقاسمون مع أمودي المخاوف من الاندفاع نحو نماذج أكثر قوة في ظل أدلة متزايدة على أن سلوك هذه الأنظمة يصبح أقل قابلية للتنبؤ.

وفي خضم الاضطراب المتصاعد حول الذكاء الاصطناعي، غادر عدد من موظفي البيت الأبيض العاملين في الملفات الأمنية والسياسات المتعلقة بالتكنولوجيا خلال الأشهر الأخيرة.

وشهد مكتب مدير الأمن السيبراني رحيل اثنين من أبرز مسؤولي السياسات خلال الصيف، كما غادر سريرام كريشنان، كبير مستشاري البيت الأبيض لسياسات الذكاء الاصطناعي.

وفي هذا الأسبوع أعلن سيهاو هوانغ، وهو مسؤول بارز عن سياسات الذكاء الاصطناعي في مكتب البيت الأبيض لسياسة العلوم والتكنولوجيا، مغادرته منصبه للانضمام إلى شركة «أنثروبيك».

وقال مسؤولون سابقون في الإدارة إن العمل على سياسة الذكاء الاصطناعي أصبح مهمة محبطة بسبب اعتماد ترامب الكبير على آراء دعاة التكنولوجيا ومستثمرين مثل ديفيد ساكس، الذين يشككون بقوة في الحاجة إلى فرض ضوابط أو تنظيمات إضافية.

وازداد التردد إزاء طرح أفكار تنظيمية بعدما نجح ساكس وآخرون في إقناع ترامب في اللحظات الأخيرة بالتراجع عن أمر تنفيذي كان سيُلزم بإجراء مراجعات حكومية للنماذج الجديدة. وحل بدلاً منه نظام للمراجعة الطوعية.

وفي صلب موقف ترامب تبدو قناعته بأن الذكاء الاصطناعي يمثل طريقاً للنمو الاقتصادي، وأنه ينبغي ألا يُسمح لأي عائق بإبطاء هذه الصناعة.

ووعد ترامب منذ فترة طويلة بأن تؤدي سياساته الاقتصادية إلى طفرة صناعية تطلق «عصراً ذهبياً» جديداً للولايات المتحدة.

وخلال ولايته الأولى، كان يعوّل على إحياء الصناعات الثقيلة وإعادة وظائف تعدين الفحم إلى ولايات الغرب الأوسط التي فقدت جانباً كبيراً من صناعاتها، إلا أن تلك الوظائف لم تتحقق بالمستوى الذي كان يتوقعه.

وعندما عاد إلى الرئاسة لولاية ثانية، رأى ترامب أن الإنفاق الرأسمالي الهائل لشركات التكنولوجيا يمكن أن يشكل الوقود اللازم لدفع الاقتصاد الأمريكي إلى النمو بقوة.

وكان قد تبنى هذه الفكرة خلال المراحل الأخيرة من حملته الانتخابية. ففي اجتماع خاص مع مسؤولين في «أوبن إيه آي» في حزيران 2024، ناقش معهم إمكانية إطلاق نسخة من «عملية السرعة القصوى»، التي استخدمتها إدارته لتسريع تطوير لقاحات «كوفيد-19»، لكن هذه المرة بهدف تسريع بناء مراكز البيانات.

ومنذ ذلك الحين، بدا ترامب مصمماً على دعم نمو الذكاء الاصطناعي حتى لو ترتبت على ذلك أكلاف سياسية كبيرة، للحفاظ على ما وصفه بـ«الإوزة التي تبيض ذهباً».

وبحكم خلفيته كمطور عقاري، يُظهر ترامب حماساً لمواصلة بناء مراكز البيانات، رافضاً مخاوف بعض الولايات والمدن التي ترغب في إبطاء عمليات الإنشاء أو وقفها.

وقال ترامب خلال مداخلة هاتفية في مؤتمر كبير هذا الأسبوع، كان ديفيد ساكس وجنسن هوانغ يشاركان فيه:

«الروبوتات لن تستولي على الأمور. والذكاء الاصطناعي لن يسيطر على بقية العالم».