من أكثر الجمل التي يتداولها أصحاب نظرية التواصل الإنساني تلك العبارة الحكيمة المكثفة المنسوبة لسقراط: (تحدث لأراك، أو تكلم حتى أراك)! وسقراط لم يكن يقصد الحديث أو الكلام بمعناه المجرد المعروف وكذلك الرؤية ليست رؤيا العين، كان كفيلسوف يرمي إلى ما هو أبعد وأعمق، فـ«الرؤية» رؤية العقل والشخصية والجوهر، وأما الحديث فيقصد به الأفعال التي تعبر عن شخصية وتفكير ومدى عمق وحكمة الشخص أو العكس!

حكمة سقراط العميقة، فهمها البعض باعتبارها ترمي في ملعب الحديث المعتاد والتي ترسم وتحكم نمط العلاقات اليومية بين الناس على جميع المستويات، فجاء فيلسوف آخر من حقل الأدب هذه المرة وتحديداً من روسيا وذلك بعد عبارة سقراط بألفي عام ليفند ليس ما قاله سقراط، ولكن لمن فهم الكلام على غير تأويله، فقال (قد يكون في أعماق المرء ما لا يمكن نبشه بالثرثرة، فإيّاك أن تظن أنك عرفتني لمجرد أني تحدثت إليك) ولم يكن دوستويفسكي هنا يرد على سقراط ولكن على من رأى في أي حديث طريقة لشرح الفكر والرؤية!

فالناس لا يفعلون شيئاً بقدر ما يتكلمون، إنهم يواجهون مخاوفهم بالكلام، ويتغلبون على وحدتهم وهواجسهم ويكذبون ويدعون ويجاملون بالكلام كذلك، وهم يتكلفون الكلام ويقولون ما لا يقصدونه ولا يؤمنون به أحياناً من باب المجاملات الاجتماعية، وهو كلام نسمعه ونرد عليه وقد نصدقه، فهل معناه أننا نراهم حقيقة من خلاله؟ هل نرى فكرهم وعاطفتهم وحكمتهم؟

إن كثرة الكلام لا تعني بالضرورة أننا نرى بعضنا بعضاً، أو أننا نعرف حقيقة من نتحدث إليهم. فكثيرون يتحدثون طويلاً، ويتكلمون كل يوم، ومع ذلك لا يقولون شيئاً يكشفهم حقاً. فالكلام وحده لا يصنع معرفة، كما أن الصمت وحده لا يعني الغياب.

إن رؤية الآخر تحتاج إلى ما هو أبعد من تبادل الكلمات؛ تحتاج إلى صدق، وإلى إنصات، وإلى استعداد حقيقي لأن يكشف الإنسان شيئاً من ذاته للآخر. وربما لم تعد مشكلتنا اليوم في أننا صرنا أقل كلاماً، ولا في أننا نتكلم أكثر مما ينبغي، بل في أننا فقدنا شيئاً من الرغبة في أن نرى الإنسان الذي أمامنا كما هو، لا كما نتخيله، ولا كما نريده أن يكون.