منذ أيام، استوقفني إعلان لإحدى العلامات التجارية المتخصصة في العباءات. لم يكن تصميم العباءة هو ما لفت انتباهي، بل طريقة تقديمها. ظهرت العارضة ترتدي عباءة مفتوحة، وتحتها تنورة قصيرة جداً، في مشهد بدا وكأن الهدف منه الترويج للعباءة كقطعة أزياء عصرية تكمل الإطلالة.

توقفت أمام الصورة طويلاً. ليس لأنني ضد الموضة، ولا لأنني أرفض أن تتطور العباءة، بل لأن سؤالاً بسيطاً خطر في بالي: ماذا بالضبط نبيع هنا؟ العباءة؟ أم شكل العباءة بعد أن جرّدناها من معناها؟

ربما كانت مجرد صورة إعلانية بالنسبة لمن صمّمها، لكنها بالنسبة لي اختزلت ظاهرة أصبحت أراها تتكرر من حولنا... عباءة مفتوحة بالكامل، وتحتها ملابس تكشف أكثر مما تستر. وأحياناً تتحول العباءة إلى مجرد إطار أنيق لما تحتها؛ قطعة تضاف إلى الإطلالة، أو «ستايل» عصري لا علاقة له بالمعنى الذي حملته عبر أجيال.

وهنا شعرت أن المسألة تستحق أن نتوقف عندها:

فالقضية ليست في شكل العباءة، بل في ما يتبقى منها حين تفقد رمزيتها ويضيع معناها.

أنا لست ضد العباءة الملوّنة، ولا المطرزة، ولا المزينة بالورود، ولا التصاميم الحديثة والجريئة، بل أحب أن أرى العباءة تتطور. لوّنوها... طرزّوها... ابتكروا فيها... أعيدوا تصميمها. دعوها تعبّر عن شخصية المرأة وعن زمنها. فالهوية الحية لا تتجمد، لكنْ هناك فرق بين تطوير الرمز... وإلغاء معناه.

فالعباءة لم تكن يوماً مجرد قطعة قماش نرتديها فوق ملابسنا. ارتبطت في مجتمعنا بالحشمة والوقار والاحترام، وأصبحت جزءاً من هويتنا وذاكرتنا الاجتماعية. وهنا تكمن المفارقة: حين تصبح العباءة إطاراً لما يناقض معناها، لا بد أن نسأل: إذا كانت العباءة لا تستر... فما الذي بقي منها غير اسمها؟

لكن هذا السؤال لا ينبغي أن نوجهه إلى من ترتدي العباءة وحدها. فالإعلان الذي أثار هذه الفكرة في ذهني أعادني إلى مسؤولية أخرى ربما لا نتحدث عنها بما يكفي: مسؤولية من يستخدم رموزنا الثقافية في الإعلان والتسويق. فحين تتحول العباءة، أو أي عنصر من عناصر زينا المحلي، إلى مادة إعلانية وتجارية، يصبح لكيفية تقديمه معنى وتأثير يتجاوزان بيع المنتج نفسه.

وهنا أتساءل: هل نحتاج إلى قدر أكبر من المسؤولية الإعلانية عند استخدام رموزنا الوطنية والثقافية؟ فليس كل استخدام للزي المحلي احتفاءً به.

ولا أقصد بذلك أن نضع رقيباً على كل إعلان، أو أن نحدد للناس كيف يرتدون الزي، أو أن نضع الإبداع في قالب واحد، لكن من يستخدم رمزاً ثقافياً لأغراض تجارية، تقع عليه مسؤولية أن يفهمه أولاً، وأن يقدمه بحساسية واحترام.

وهنا نصل حتماً إلى المساحة الأكثر حساسية في هذا النقاش: الحرية الشخصية.

أؤمن بحرية المرأة في اختيار ما ترتديه، ولا أرى أن من حق أحد أن يحاكم أخلاق الإنسان من ملابسه. فالحرية في الاختيار حق، لكنها لا تنفصل عن الوعي وحسن التقدير؛ بأن نعرف للمكان خصوصيته، وللمناسبة ما يليق بها، وللرمز معناه.

وما يستحق النقاش هنا ليس الحرية ذاتها، بل علاقتنا بالرمز حين نختار أن نرتديه. فإذا اختارت المرأة التنورة القصيرة، فهذا خيارها، وإذا اختارت العباءة، فهذا أيضاً خيارها، لكن حين يجتمع الاثنان في صورة واحدة، ألا يحق لنا أن نتساءل: ماذا أصبحت تعني العباءة؟

هناك فرق كبير بين أن نُملي على المرأة ما ترتديه، وبين أن نتساءل عن معنى رمزٍ اختارت أن ترتديه. فالحرية في الاختيار لا تُلغي دلالة الرمز، ولا تمحو ما يحمله من معنى وذاكرة وهوية.

ومن هنا أصل إلى سؤال أراه أكبر من العباءة نفسها: متى أصبحت الحشمة شيئاً نتردد في الدفاع عنه؟ ومتى أصبح الحديث عنها وكأنه اعتداء على الحرية أو رفض للحداثة؟ ومن قال أصلاً إن الحشمة نقيض الجمال أو الأناقة؟ وهل أصبح الحفاظ على الحشمة يعني بالضرورة رفض الحداثة؟

فالحشمة ليست لوناً ولا قماشاً ولا قالباً نضع فيه المرأة؛ الحشمة قيمة قبل أن تكون مظهراً، ووعيٌ قبل أن تكون لباساً. هي أن نعرف للستر معناه، وللمكان حرمته، وللحضور وقاره، وللذات احترامها.

ولهذا، فإن ما يقلقني اليوم ليس إعلاناً واحداً، ولا فتاة واحدة، ولا حتى طريقة واحدة في ارتداء العباءة.

ما يقلقني هو الاعتياد.

نرى المشهد مرة فنستغربه، ثم نراه عشر مرات فنتوقف عن التعليق عليه، ثم نراه مئة مرة فلا نعود نراه أصلاً.

وهكذا يصبح الاستثناء مألوفاً، والمألوف مقبولاً، والمقبول مع الوقت «طبيعياً».

وهنا تحديداً تتحول المسألة من خيار نراه اليوم إلى معنى قد نورّثه غداً. فالطفلة التي تكبر اليوم وهي ترى العباءة مراراً في صورة تناقض معناها، لن تعرف العباءة كما عرفناها نحن، ولن تحمل عنها الذاكرة التي حملناها عن أمهاتنا وجداتنا. هي لن تتعلم معناها مما نقوله لها، بل مما تراه أمامها كل يوم.

وهنا يصبح السؤال مسؤوليتنا نحن: فأي صورة للعباءة نصنعها اليوم في ذاكرة الجيل القادم؟ هل ستبقى في وجدانهم رمزاً للحشمة والوقار، يتطور شكله وتبقى قيمته؟ أم ستصبح مجرد قطعة أزياء تُرتدى بلا دلالة؟ وعندها لن نكون قد غيّرنا تصميم العباءة فقط، بل ربما غيّرنا تعريف الحشمة في ذهن جيل كامل.

ومع ذلك، لا أريد للعباءة أن تعود إلى شكل واحد، ولا أريد أن نضعها في متحف ونقول للجيل الجديد: هكذا ارتدتها جداتكن، وهكذا يجب أن ترتدينها أنتن. أريد العكس. أريد أن ترتدي ابنتي العباءة بطريقتها، وأن ترتديها حفيدتي يوماً بطريقة ربما لا تشبه طريقتي إطلاقاً. أريدها أن تتغير وتتطور وتبقى حية.

لكنني أريد أيضاً أن تعرف ابنتي وحفيدتي لماذا وُجدت العباءة أصلاً. فالهوية لا تعني أن نكرر شكل الماضي. الهوية أن نسمح للشكل أن يتغير، من دون أن نسمح للمعنى أن يضيع.

ولهذا أعود في النهاية إلى الصورة التي بدأت منها، وإلى ذلك الإعلان الذي أثار في داخلي غيرةً على رمزٍ من رموز هويتنا. لم يزعجني أن العباءة كانت عصرية. ولم تزعجني التنورة القصيرة في حد ذاتها؛ فهذا اختيار من ترتديها. ما أزعجني هو جمع الاثنين في إعلان يبيع العباءة، وكأننا نبيع الرمز ونلغي معناه في الصورة نفسها.

نظرت إلى الإعلان، وسألت نفسي: إذا نزعت الحشمة من العباءة، فما الذي بقي منها سوى القماش؟

طوّروا العباءة كما تشاؤون. لوّنوها، طرزّوها، غيّروا قصّاتها، واجعلوها تعبّر عن جيل جديد، لكن إن اخترنا أن نرتدي العباءة، فلنحترم معناها، وإن اخترنا أن نقدمها في إعلان، فلنحترم رمزيتها.

والأمر لا يتوقف عند العباءة وحدها؛ فرموزنا الوطنية والثقافية، بكل أشكالها، ليست مجرد صور أو أزياء أو عناصر قابلة للاستخدام بلا اعتبار لسياقها، بل هي جزء من هويتنا وذاكرتنا، وتحمل في تفاصيلها شيئاً منّا.

فالحرية حق، والإبداع حق، لكن لرموز الأوطان مكانتها، واحترامها مسؤولية.

وأحياناً، أخطر ما يمكن أن نفعله برموزنا ليس أن نتخلى عنها... بل أن نُبقي على شكلها، بعد أن نُفرِّغها من معناها.