تأبى قمة الإعلام العربي، التي تنعقد سنوياً في دبي، إلا أن تحمل لجمهورها الكثير من الجديد في كل دورة، وتأبى هذه السنة إلا أن تقول إنها مثل شجرة جذورها في 1999، بينما فروعها المورقة تتوزع في أجواء 2026، ومع ما بين العامين من مسافة زمنية شارحة وموضحة وموحية.

فالشجرة التي جرى غرسها في ذلك العام البعيد نسبياً، كانت مجرد فكرة في وقتها، وكان وراء الفكرة صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي، رعاه الله.

وإلى جوار صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد، كانت معالي منى غانم المري، تقف شاهدة على إطلاق الفكرة، ثم كانت في المراحل اللاحقة تنتقل من موقع الشاهدة، إلى موقع المشاركة، وأيضاً إلى موقع راحت تتولى الفكرة من خلاله، بما يضمن نموها كما ينمو كل شيء نمواً طبيعياً.

كانت هناك إذنْ فكرة، وكان هناك مَنْ يؤمن بالفكرة فيحولها إلى مبادرة، وكان هناك مع بدء إطلاق المبادرة فريق عمل جاهز يتولاها سنةً بعد سنة، إلى أن صارت متجسدة في هذا الاسم الكبير، المُسمى قمة الإعلام العربي.

وحين يطالع المرء قصة القمة، فإن بدايتها كانت جائزة لتكريم المبدعين العرب وأهل القلم، قطعت طريق التطور الطبيعي خطوةً من وراء خطوة، إلى أن صارت جائزة للصحافة العربية في مرحلتها الأولى، وصار أصحاب المهنة يترقبونها في موعدها الثابت كل عام.

ومن بعد مرحلة الجائزة، طاب للفكرة أن تنتقل من جائزة للصحافة العربية، استوت في مكانها وعلى مقعدها، إلى منتدى للإعلام العربي، يتطلع نحو الإعلام من زاوية أوسع، وينظر إليه من عدة زوايا، لا من زاوية واحدة، ربما تكون البدايات بطبيعتها قد فرضتها.

ولكن الطموح كان أعلى من ذلك وأكبر، فغادرت الفكرة مربع المنتدى، الذي دام سنوات على طول الطريق، لتصل إلى دائرة أوسع، هي دائرة القمة التي تضم تحت مظلتها ثمانية منتديات، لا منتدىً واحداً.

وهكذا كان للفكرة أن تتنقل من جائزة، إلى منتدى، إلى قمة، فَبَدَت المبادرة التي جرى إطلاقها في حينها، وكأنها كانت تستشرف ما سوف تبلغه الفكرة في مراحل النمو، أو كأنها كانت ترى من بعيد أن هذه فكرة خرجت إلى النور كبيرة بطبيعتها، ولكن مراحل النمو الطبيعي كانت تحكمها، وكانت تأخذها من مرحلة عُمرية إلى مرحلة.

وحين احتفلت هذه السنة بعيدها الفضي، كان في الاحتفال إشارة لا تخفى عن العين المجردة، إلى أن احتفالاً كهذا يقول إنها ذاهبة، بإذن الله، ثم بعزيمة الفريق الذي عمل عليها، إلى عيد ذهبي ينتظرها، ومن بعده إلى عيد ماسي بالضرورة.

وعندما استضافت الرئيس السوري أحمد الشرع، مثلاً، في دورة هذه السنة، فإن استضافته كانت تعبيراً عن طموح مهني لا يتوقف لدى القائمين على الجائزة، ومن بعدها المنتدى، ومن بعدهما القمة، وإلا، فما الذي يطمح إليه جمهور القمة، أكثر من أن يجد نفسه في قاعة واحدة، يسمع فيها من رئيس الجمهورية العربية السورية بشكل مباشر، بدلاً من أن يسمع من آخرين عنه أو عن بلاده؟

هنا يجد أهل الإعلام أنهم يتعاملون مع الأخبار من مصدرها، ويحصلون عليها من منبعها، ويتداولونها على أُسس مهنية سليمة، ولا يتداولون شائعات، أو أنصاف أخبار، أو ظلال حقائق، أو شيئاً من هذا القبيل.

وإذا كانت استضافة الرئيس السوري هي الحدث الأهم في دورة هذه السنة، فلا بد أنها تصلح، كمثال بين أمثلة، على أن تحري المهنية كان هدفاً للفكرة منذ كانت فكرة، ومنذ تجلت في مراحلها الثلاث، جائزة، فمنتدى، فقمة، لا لشيء، إلا لأن من مبادئ المهنية في دنيا الإعلام، أن تحصل على الخبر من مصدره، لا من مصدر آخر، يمكن أن يلونه باللون الذي يحبه.

إذا كانت المهنة سوف تخرج من دورة هذه السنة بهذا الدرس العملي في أصولها، فهذا يكفيها لتأخذه وتبني عليه ما يظل يتراكم بمرور الدورات من دروس.