في سياق سلسلة مواكبة التطورات العالمية، يشهد العالم تحوّلاً استراتيجياً غير مسبوق، لم تعد فيه قوة الدول تقاس فقط بحجم اقتصادها أو احتياطياتها النفطية أو قدراتها العسكرية، بل أصبحت هناك منظومة جديدة من عناصر القوة بدأت تتشكل في الأفق، تحوي ثلاثة أضلاع مترابطة، الطاقة المستدامة، الذكاء الاصطناعي، المعادن الحيوية.

ويمكن إطلاق مفهوم «مثلث القوة والهيمنة الاستراتيجية الجديدة» على هذه المنظومة؛ لأن كل ضلع منها يعتمد على الضلعين الآخرين. الذكاء الاصطناعي يحتاج إلى كميات متزايدة من الطاقة ومراكز البيانات، والطاقة المستدامة تعتمد على تقنيات متقدمة وشبكات ذكية، وكلاهما يستهلك المعادن الحيوية، مثل النحاس والليثيوم والنيكل والغرافيت والعناصر الأرضية النادرة.

فالدول الضامنة لأمن الطاقة، المالكة القدرة على توظيف الذكاء الاصطناعي، وتؤمّن وصولها إلى المعادن الحيوية، لا تؤمّن اقتصادها فقط، بل تبني قدرة استراتيجية على الصمود والمنافسة والتأثير الدولي المستقبلي.

تتجه الاقتصادات العالمية نحو عصر يمكن تسميته «عصر إدارة أمن الطاقة والبيانات الضخمة والمعادن الاستراتيجية». الذكاء الاصطناعي أصبح أحد أهم محركات الاقتصاد العالمي، ويخلق طلباً متزايداً على الطاقة الكهربائية.

وتشير وكالة الطاقة الدولية استهلاك مراكز البيانات للطاقة قد يرتفع من نحو 485 تيراواط/ساعة في 2025، إلى نحو 950 تيرا واط/ساعة في 2030، مع نمو أسرع لمراكز البيانات المخصصة للذكاء الاصطناعي.

لم يعد السؤال: «من يمتلك أفضل تقنيات الذكاء الاصطناعي؟»، بل: «من يستطيع توفير الطاقة الموثوقة والمستدامة لتشغيل الذكاء الاصطناعي على نطاق واسع؟»، وفي المقابل، فإن بناء منظومات الطاقة المستدامة ومراكز البيانات والبطاريات يحتاج إلى كميات ضخمة من المعادن الحيوية.

وتشير وكالة الطاقة الدولية إلى استمرار نمو الطلب على المعادن الاستراتيجية كالليثيوم والنيكل والعناصر الأرضية النادرة، نتيجة توسع تصنيع واستخدام السيارات الكهربائية والطاقة المتجددة.

الطاقة المستدامة لم تعد قضية بيئية، إنما أصبحت أمناً قومياً واقتصادياً وتكنولوجياً، تنافسية صناعية وقدرة على جذب الاستثمارات، وتشغيل مراكز البيانات واستخدامات الذكاء الاصطناعي.

الدول التي تمتلك طاقة موثوقة، وبأسعار تنافسية، تستطيع جذب الصناعات والاستثمارات التكنولوجية المتقدمة.

أما التي تعاني من نقص الطاقة أو ضعف الشبكات، فقد تمتلك أفضل التقنيات والكوادر، لكنها ستواجه صعوبة في تحويل هذه القدرات إلى مشاريع اقتصادية واسعة.

والضلع الثاني، هو الذكاء الاصطناعي، لم يعد مجرد تقنية رقمية، بل أصبح بنية تحتية استراتيجية للدول. وهنا توجد علاقة مهمة جداً، فهو يستهلك الطاقة، لكنه في الوقت نفسه يمكن أن يجعل قطاع الطاقة أكثر كفاءة. وتشير وكالة الطاقة الدولية إلى أنه يمكن أن يساعد قطاع الطاقة في تحسين الكفاءة، وخفض التكاليف والانبعاثات، وفي الوقت نفسه، فإن نموه يرفع الطلب على الكهرباء ومكونات البنية التحتية للطاقة.

الضلع الثالث، المعادن الحيوية، عبارة عن «المواد الخام» النحاس، والليثيوم والعناصر الأرضية النادرة، وغيرها، تدخل في صناعات الطاقة المتجددة، والبطاريات، ومراكز البيانات والتقنيات المتقدمة.

القوة الحقيقية تكمن في امتلاك سلسلة القيمة: استكشاف - تعدين - معالجة وتكرير - تصنيع - إعادة تدوير - تخزين استراتيجي. وهنا تتحول المعادن من سلعة تجارية إلى أصل استراتيجي للدول.

كما أن تركّز عمليات التعدين أو التكرير لبعض المعادن في عدد محدود من الدول، يخلق مخاطر جيوسياسية واقتصادية، وسلاسل إمداد حساسة.

وتؤكد وكالة الطاقة الدولية أن قضايا تركّز الإمدادات والتكرير، أصبحت من أهم عناصر أمن المعادن الحيوية. تظهر ثلاثية الهيمنة والقوة الاستراتيجية الجديدة، باندماج وتكامل المقومات الثلاثة معاً. الدول الأكثر قوة، فهي التي تستطيع دمج الأضلاع الثلاثة داخل منظومة اقتصادية وأمنية متكاملة.

وأصبح مرتبطاً بصورة مباشرة بالأمن القومي. فالأزمات المستقبلية لا تبدأ بحرب عسكرية، وإنما تبدأ بـانقطاع إمدادات معادن حيوية، هجوم سيبراني، نقص الرقائق الإلكترونية، ارتفاع مفاجئ في أسعار الطاقة، تعطل في مكونات مراكز البيانات... إلخ، وهو أحد أهم التحولات الجديدة في مفهوم القوة الاقتصادية والاستراتيجية للدول. فالطاقة هي الوقود، والذكاء الاصطناعي هو العقل، والمعادن الحيوية هي المادة الأساسية التي تمكّن التكنولوجيا والطاقة من التوسع. ومن هنا، فإن القوة في المستقبل لن تقاس فقط بحجم ناتجها المحلي أو احتياطياتها الطبيعية، وإنما بقدرتها على تأمين هذه الأضلاع الثلاثة، وإدارتها ضمن منظومة متكاملة تعرف بإدارة مستدامة لأمن الطاقة.

دولة الإمارات سباقة في استشراف مستقبل مقومات الصمود العالمي، وإدارة الأزمات، في ظل التحديات المتسارعة، من خلال جاهزية المنظومة التشريعية للتغييرات المستقبلية، وإطلاق استراتيجيات وطنية منظمة متكاملة، منها استراتيجية الإمارات للطاقة 2050، الذكاء الصناعي 2031، والتشريعات الخاصة بالثروة المعدنية، وتملك فرصة تاريخية لتكون نموذجاً عالمياً، ليس فقط بإنتاج الطاقة أو استيراد المعادن أو استخدام الذكاء الاصطناعي، وإنما ببناء منظومة وطنية متكاملة لاستدامة أمن الطاقة والمعادن والتكنولوجيا.

وتعزيز ذلك بتوقيع الشراكات العالمية لتعزيز سلاسل الإمداد للمعادن الحرجة والعناصر النادرة، والاستثمار الصناعي، مع دعم التنوع الاقتصادي ضمن مشروع 300 مليار، لرفع مساهمة الصناعة في الناتج المحلي الإجمالي، تبني تقنيات إعادة التدوير بالتركيز على الاستثمار في إدارة خردة المعادن الحرجة، وتعزيز الاقتصاد الدائري والتعدين المستدام، من خلال تطوير قطاع التعدين المحلي عبر مؤتمرات متخصصة، ودعم السياحة الجيولوجية.

وقد يكون الهدف الاستراتيجي القادم للدولة، هو الانتقال من مفهوم أمن الطاقة إلى إدارة منظومة الأمن الاستراتيجي لاستدامة أمن الطاقة والمعادن والتكنولوجيا «مثلث القوة والهيمنة الجديدة». لحماية استدامة مشاريعها واستثماراتها واقتصادها للأجيال المستقبلية.