بين قمّتين إنسانيتين كبيرتين تتحرك مقالات كتاب «الرسائل» التي بلغ عددها ستاً وعشرين رسالة، افتتحها صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، نائب رئيس الدولة، رئيس مجلس الوزراء، حاكم دبي، رعاه الله، برسالة إلى أخيه صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، رئيس الدولة، حفظه الله، واختتمها برسالة عميقة التأثير عنوانها «رسالة إلى زايد» استرجع فيها أجمل الذكريات مع هذا المعلم الكبير، مع التأكيد على بقائه حياً في الوجدان العام للوطن والشعب.

بالتركيز على الفضائل الإنسانية والسياسية التي غرسها الشيخ زايد، رحمه الله، في قلب الدولة والقادة، وظلت إلى اليوم مصدر إلهام وتحفيز للقيادة والشعب.

وبين هذين القائدين الكبيرين تتحرك أفكار صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم الذي أبدع هذه الرسائل بقلم الأديب المؤرخ الذي يقتنص المواقف والأحداث والأشخاص.

ويكتبها بمداد القلب وفيض العاطفة وتحت ضوء العقل الساطع ليتشكل من ذلك كله هذا الكتاب الفريد الذي أتحف به صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم عشاق حرفه والمهتمين بمتابعة أفكاره ورؤاه.

وقد بلغ الكتاب ذروته الإنسانية والإبداعية في الرسالة السابعة التي جاءت بعنوان «رسالة إلى أمي»، حيث وصل سموه إلى تخوم البكاء وهو يسترجع التفاصيل المدهشة التي ما زالت ذاكرته تختزنها.

وهو يقص علينا مناقب تلك السيدة الجليلة التي لم تغادر موقعها الدائم في قلب سموه: سنداً يستند إليه، وكهفاً يأوي إليه مهما كان موقعه متقدماً في هذه الحياة.

وتكتمل الصورة حين يتحدث صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم عن والده المغفور له الشيخ راشد بن سعيد آل مكتوم، رحمه الله، باعتباره معلماً ملهماً لسموه ما يزال خالد الذكرى في وجدانه الأصيل النبيل.

لا يمكن الوقوف المفصل عند محتوى جميع هذه الرسائل التي تنوعت في محتواها بحسب الجهات الموجهة إليها، فقد تنوعت تنوعاً بديعاً جاء على سبيل التكامل من أجل إضاءة مشهد الوطن كاملاً انطلاقاً من تاريخه القديم .

كما رأينا فيما قصّه سموه في رسالة «سنوات البطاقة» التي وجهها إلى شباب دبي كي ينعش ذاكرتهم بتضحيات آبائهم وأجدادهم، ولأجل أن يعرفوا التحديات الصعبة التي عاشتها دبي قبل أن تصبح دانة الدنيا.

ولذلك تحركت الرسائل من خلال شريحة متنوعة توخى سموه أن تكون قادرة على استيعاب أفكاره وتعاليمه التي يكتبها في هذه المرحلة من العمر بعد ستين عاماً من العمل الدؤوب في خدمة الوطن وبناء الإنسان.

ولأن صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم يؤمن وبكل قوة أن العمل هو السبيل الوحيد لتحقيق الأحلام المستحيلة.

فقد خصّ فريق العمل الذي يعمل معه منذ أن أصبح حاكماً لدبي عام 2006م بثلاث رسائل بعنوان «رسالة إلى فريق العمل» كشف فيها عن إحساس أخلاقي فريد في شعوره بجهود هؤلاء الجنود البواسل الذين يعملون معه تحت ضغط جميع الظروف، ويحققون معه الأحلام والإنجازات العظيمة، ويشاركهم فرحة النصر.

كما يشاركهم هموم الإخفاق إذا حصل، فهو قائد منخرط بقلبه وعقله وروحه مع فريقه ويمشي أمامهم بكل بسالة ويشاركهم الفرحة ويتحمل المسؤولية، ليكون هذا النموذج الذي يعمل من خلاله سموه هو صمام الأمان في تحمل المسؤولية وحمل عبء المسيرة التنموية بكل استحقاقاتها.

ولقد أبدع صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم وهو يفتح عيون الفريق على سنة التطور في هذه الحياة، وأن المرحلة القادمة ستشهد مواجهة حاسمة مع فورة علوم الذكاء الاصطناعي التي يخشاها البعض ويتقبلها آخرون لكن سموه يغرس بذور الثقة بالنفس في قلوب هذا الفريق المتنور الذي يعرف ماذا يريد، وكيف يصل إلى ما يريد.

من بين الرسائل العميقة التي كتبها سموه، الرسالة الخامسة بعنوان: «رسالة إلى إعلامي» حيث أبدع في توجيه البوصلة نحو الهدف الذي يجب أن يعيش من أجله الإعلامي وهو قول الحقيقة وخدمة الوطن والإنسانية مع التحذير الشديد من استغلال المنابر الإعلامية لنشر ثقافة الكراهية والتعصب التي كان لها أكبر الآثار المدمرة على بعض المجتمعات إدراكاً من سموه للدور الخطير الذي يمكن أن تلعبه الكلمة سلباً أو إيجاباً، وهو ما سنعرض له في مقالة مفصلة في قادم الأيام إن شاء الله.

ويتسع أفق الكتاب ليخاطب صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم الجيل الجديد كاملاً في الرسالة السادسة «رسالة إلى الجيل الجديد».

ويخص مجتمع دبي برسالة خاصة، ويردفها برسالة إلى أبناء الخليج بشكل عام توسيعاً لمدى الرؤية وأفق المسؤولية، ليعود إلى مدينته الحبيبة دبي فيخص بناتها الذين بنوا مجدها برسالة خاصة، تتلوها رسالة إنسانية نابعة من قلب سموه بعنوان «رسالة الرحمة» خاطب فيها فاعلي الخير وناشري الأمل ورواد العمل الإنساني لحثهم على نشر ثقافة الرحمة بين جميع أفراد المجتمع من خلال إسهاماتهم المشكورة في حملات التبرع.

لتكون الرسالة التالية لها رسالة إلى الأسرة الحاكمة من آل مكتوم، حيث تحدث معهم من قلب يفيض بالمحبة والحرص على دوام المسيرة كما سنها الأجداد والآباء.

حيث طالبهم بأن يصونوا هذا الإرث العريق الذي أصبح أمانة بين أيديهم يجب عليهم أن يبذلوا كل جهد في سبيل أن يظل ناصعاً متوهجاً بالحكمة والحب والحزم والأخلاق.

كتاب «الرسائل» تحفة أخلاقية وفنية وإنسانية متفردة لا يمكن الإحاطة بمحتواه في هذه العجالة، فكل رسالة جديرة بمقالة طويلة تستلهم محتواها وتشرح إشارات صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، ضمير هذا الوطن وسراجه الوهاج الذي ما زال يضيء لنا الطريق، ويلهمنا أروع المواقف والأخلاق والأفكار.