قال لي صديقي: اُذكر لي بعضاً مما لا يعجبك من جيل هذا اليوم.

قلت له: ذكّرتَني بقصة رجل التقى ببهلول الواعظ، وقال له: عدّ لي يا بهلول المجانين: قال قل لي عدّ العقلاء، أما المجانين فما أكثرهم.

وأنت اليوم يا صديقي تطلب مني أن أذكر لك ما لا يعجبني في الناس اليوم، وكيف أذكر وأنت أول ما لا يعجبني؟

قال: كيف ذلك وأنا صديقك؟

قلت: صديقي لأني ساكت عن عيوبك، ولو ذكرت لك عيباً واحداً من عيوبك، لاتخذتني عدواً لك، أنت يا صديقي تذكر لي معايب الناس، ولا ترضى أن أذكر معايبك، وهذا لا يعجبني فيك.

وكم في غيرك من معايب خُلُقية لا خَلقية وهي كلها مما لا يعجبني لا في نفسي ولا في غيري، لكن لا أستطيع أن أنبه عليها، لأن الناس يحبون أن ينتقدوا الآخرين، ولا يتقبلون من أحد أن ينتقدهم، وهذا ليس دليلاً على الرقي الحضاري، بل نوع من الجهل المركّب الذي تحدثت عنه سابقاً في أحد مقالاتي، والشاعر يقول:

مثَلُ الجاهلِ في إعجابه

مَثلُ الناظر من أعلى الجبلْ

ينظر الناسَ صِغاراً وهْو في

أعيُن الناس صغيراً لم يزلْ

إنني في كل يوم أزداد يقيناً بأن الإعجاب بالنفس ليس من طبع المتواضعين، فكلما ازددتَ تعالياً على الناس، ازداد غرورك ورفضت نقد الناس لك.

ومن أعجب ما رأيت أن بعض المغرورين إذا تصرفوا تصرفاً غير لائق وسكت عنه الناس، ظن أنه أصبح معصوماً، لذلك لا ينتقده الناس لأنه لا عيب فيه.

ولم يدرك أن عيوبه صارت أكثر من أن تحصى، لذلك الناقد ميؤوس من مثل هذا المغرور، ويرى أن السكوت أبلغ.

نعم ومن أكبر ما لا يعجبني في أبناء هذا الزمن أن بعض الناس إذا لم يستطع أن يغيّر في أصحابه ذلك الشيء المستنكر ذهب وشاركهم فيه، وكم تمنيت لو سكت وهجَرهُم، أما وإنه شارَكهم في ذلك الشيء فإنه أصبح مُقرّاً بذلك.

ومما يروى أن رجلاً كان يتأذى من صبيان قريته الذين كانوا يعلّقون عليه ويركضون خلفه كلما خرج.

وذات مرة قال لهم: هل تعلمون يا أولاد أن في المكان الفلاني عُرس قائمٌ الآن، فذهب الأولاد كلهم إلى ذلك المكان وتركوه، لكنه من ضعف عقله قال في نفسه لعل ما أخبرتُهم عنه صحيح، فركض هو خلفهم أيضاً.