لم تعد عملية اختيار المحترفين الأجانب في دوري أدنوك للمحترفين مجرد سباق لاستقطاب أسماء لامعة أو لاعبين تتصدر سيرهم الذاتية قائمة المرشحين، بل أصبحت معادلة أكثر تعقيداً تتداخل فيها الحاجة الفنية، وفلسفة النادي، والميزانية، والمدرسة الكروية، والبيانات والتحليل الفني. والسيرة الذاتية اللامعة لم تعد شهادة نجاح مسبقة، والجنسية لا يمكن أن تكون بديلاً عن الكفاءة، فيما أصبح اللاعب الأقل شهرة قادراً على التفوق على نجم كبير إذا كان أكثر توافقاً مع طريقة لعب الفريق واحتياجات المدرب.

وبينما تنفق الأندية ملايين الدراهم بحثاً عن الصفقة المثالية، تكشف شهادات وكلاء اللاعبين أن الفارق الحقيقي لا يكمن دائماً في حجم الإنفاق، وإنما في كيفية إنفاقه، ومدى قدرة النادي على تحديد احتياجاته قبل الدخول إلى سوق الانتقالات. البداية ليست النهاية يؤكد وكيل اللاعبين فيصل المرزوقي، أن التعاقد مع المحترف الأجنبي يختلف من نادٍ إلى آخر، وفقاً لرؤية الإدارة، والاحتياجات الفنية، والميزانية المرصودة للصفقات، ويشير إلى أن بعض الأندية تدخل السوق وهي تضع شروطاً مسبقة، مثل جنسية معينة أو سقف مالي محدد، بينما تمنح أندية أخرى الأولوية للمواصفات الفنية والمركز الذي يحتاج الفريق إلى تدعيمه.

ويرى أن السيرة الذاتية ليست سوى نقطة البداية، فهي تقدم معلومات عن مسيرة اللاعب والأندية التي مثلها وعدد مشاركاته وخبراته، لكنها لا تكفي لاتخاذ قرار التعاقد، خصوصاً مع اختلاف مستويات الدوريات التي لعب فيها، ويقول: إن التقييم الحقيقي يجب أن ينتقل سريعاً من الورق إلى الملعب، عبر مشاهدة عدد كبير من مباريات اللاعب، وليس الاكتفاء بمقاطع الفيديو المختارة التي تعرض أفضل لحظاته.

وأوضح أن المباراة الكاملة تكشف تفاصيل لا تظهر في الفيديوهات التسويقية، ومنها تحركات اللاعب دون كرة، ردة فعله عند فقدان الاستحواذ، انضباطه التكتيكي، سرعة اتخاذ القرار، ثبات مستواه، والتزامه بواجباته الدفاعية والهجومية. ومن هنا، فإن السؤال الأهم بالنسبة للنادي ليس من هو اللاعب؟ وإنما ماذا سيضيف إلى الفريق؟ ولذا يحذر المرزوقي من جعل الجنسية معياراً أساسياً للاختيار، لأن تحديد جنسية المحترف قبل تحديد مواصفاته الفنية قد يحرم النادي من لاعبين أكثر جودة، لمجرد أنهم لا ينتمون إلى المدرسة التي اعتاد التعاقد منها.

ويختصر فلسفته في أن عملية الاختيار الصحيحة تبدأ باحتياج الفريق، ثم تحديد مواصفات اللاعب، وبعدها البحث عن اللاعب الذي يطابق هذه المواصفات، وليس البحث أولاً عن جنسية ثم محاولة إيجاد لاعب مناسب من خلالها. رسم حدود الحلم فيما يرى وكيل اللاعبين محمد عبدالله صالح، أن سوق المحترفين لا تحكمه معايير موحدة، لأن الفارق في الإمكانات والطموحات بين الأندية يفرض خريطة مختلفة لكل نادٍ، فما يبحث عنه نادٍ بحجم شباب الأهلي لا يمكن أن يكون بالضرورة هو نفسه ما يحتاج إليه بني ياس، لأن الأهداف والميزانيات وحجم الاستثمار تختلف بصورة كبيرة.

ويؤكد أن الميزانية ترسم حدود التحرك في الميركاتو، لكنها لا تحدد وحدها نجاح الصفقة. فالنادي صاحب الميزانية المحدودة لا يستطيع منافسة الأندية الكبرى على الأسماء الأعلى سعراً، ولذلك يصبح مضطراً إلى البحث عن أسواق توفر القيمة الفنية مقابل المال، وهنا تظهر أهمية اللاعبين القادمين من أسواق أقل تكلفة، ومن بينهم الصرب وغيرهم، الذين يمكن أن يمنحوا الأندية الصغيرة خيارات فنية جيدة من دون الدخول في مزادات مالية ضخمة.

ويلفت صالح إلى توجه لدى عدد من الأندية نحو لاعبين أفارقة من أصول أو خلفيات أوروبية، باعتبار أن نشأتهم في بيئة احترافية أوروبية قد تمنحهم قدرة أكبر على التأقلم مع متطلبات كرة القدم الحديثة والانضباط التكتيكي، ولكن الأهم في رأيه، أن نوعية اللاعب يجب أن تتغير وفق موقع الفريق وأهدافه.

وبين أن الفريق الصاعد إلى دوري المحترفين قد يبحث عن السرعة والقدرة على التحول والهجمات المرتدة، بينما يحتاج فريق وسط الجدول إلى عناصر تمنحه التوازن، في حين تبحث فرق المنافسة على البطولات عن لاعبين قادرين على التعامل مع ضغط المباريات الكبيرة، وبالتالي لا يوجد محترف أجنبي مثالي لجميع الأندية، وإنما يوجد لاعب مناسب لفريق بعينه.

ويرى أن ثقافة الإدارة تلعب دوراً محورياً أيضاً، مشيراً إلى أن نحو 70 % من الأندية تتأثر في اختياراتها بثقافة رئيس النادي، وطبيعة الاستثمار داخل المؤسسة، وهنا تتحول سوق الانتقالات إلى مرآة لشخصية النادي، فهناك أندية تستطيع شراء النجوم، وأخرى تبحث عن الصفقة الذكية، لكن النجاح في الحالتين يتوقف على القدرة على تحويل المال إلى جودة فنية حقيقية. مجهر التكنولوجيا أما وكيل اللاعبين عادل المري، فيرى أن التكنولوجيا غيرت قواعد اللعبة في سوق الانتقالات، بعدما لم تعد الأندية مضطرة إلى الاعتماد على السيرة الذاتية أو توصيات الوكلاء وحدها، وباتت منصات تحليل البيانات تمنح الأندية معلومات واسعة عن أداء اللاعبين، فيما أصبح لدى العديد من الأندية محللون وإحصائيون قادرون على دراسة التفاصيل الفنية والبدنية للاعب قبل اتخاذ القرار.

وأكد أن هذا التطور نقل عملية الاختيار من الانطباع إلى التحقق بالأرقام، فالنادي يستطيع دراسة أداء اللاعب خلال آخر عامين، وتحليل مشاركاته، وتحركاته، وفاعليته الهجومية، والتزامه التكتيكي، بدلاً من الانخداع بإنجازات حققها قبل سنوات أو بمقاطع فيديو تجمع أفضل لقطاته فقط.

ويؤكد المري أن بعض الأندية تبدأ من المدرسة الكروية التي تتناسب مع فلسفتها، سواء أكانت برازيلية أم أرجنتينية أم أوروبية، ثم تبحث عن لاعب يمتلك المواصفات المطلوبة، ولكن المدرسة الكروية لا تكفي أيضاً، فقد يبحث النادي عن لاعب طويل وقوي بدنياً، أو آخر يجيد اللعب بالقدم اليسرى، أو لاعب يمتلك سرعة عالية وقدرة على التحول، وفقاً لمتطلبات المركز وطريقة اللعب.

ويرى أن المواصفات الفنية والبيانات والميزانية تعمل معاً في تحديد الصفقة، فقد يرغب النادي في لاعب بعينه، لكن قيمته السوقية المرتفعة تجبره على البحث عن بديل يقدم مواصفات مشابهة بتكلفة أقل، وأكد أن اللاعب البرازيلي رغم هذا التغير، يظل صاحب الحضور الأقوى في السوق الإماراتية، بفضل المهارة الفردية والقدرة على صناعة الفارق والسمعة التاريخية لكرة القدم البرازيلية.

ولكن المري يرى أيضاً أن السوق أصبحت أكثر انفتاحاً على المدارس الأخرى، وأن توفر البيانات جعل الوصول إلى لاعبين من دوريات وأسواق مختلفة أسهل من أي وقت مضى. مفاجآت أكبر أما وكيل اللاعبين عبدالله الحوير، فيؤكد أن سوق الانتقالات الإماراتية تغيرت بصورة واضحة، وأصبحت أكثر انفتاحاً وتنوعاً، لكنها في الوقت نفسه لا تزال تشهد بعض الصفقات العشوائية التي لا تستند إلى رؤية فنية متكاملة، ويشير إلى أن شخصية المدرب أصبحت مؤثرة في بعض الأندية، إذ يفرض الجهاز الفني أحياناً أسماء أو مواصفات محددة، بينما تمنح إدارات أخرى المدرب مساحة واسعة لرسم خريطة المحترفين.

ويرى الحوير أن البرازيليين والأفارقة ما زالوا في مقدمة الخيارات، لكن الحضور الأوروبي أصبح أكبر، كما أن بعض اللاعبين الأفارقة يمتلكون قدرة على التفوق على لاعبين من مدارس أخرى عندما تتوافر لديهم عوامل السرعة والقوة والقدرة على التأقلم مع أجواء الإمارات. ويشدد على أن السيرة الذاتية مهمة، لكنها لا تكشف وحدها الحالة الحالية للاعب، ولذلك أصبح التركيز أكبر على مستواه خلال آخر عامين، باعتبار أن الأداء الحديث هو المؤشر الأكثر دقة على جاهزيته الفنية والبدنية، وهذا الأسلوب يقلل مخاطر التعاقد مع لاعب يمتلك اسماً كبيراً وتاريخاً لافتاً، لكنه لم يعد قادراً على تقديم المستوى نفسه.

ومن أبرز التحولات التي يشير إليها الحوير اتساع دائرة الأندية القادرة على إبرام صفقات مالية كبيرة، بعدما كانت المنافسة على الأسماء البارزة محصورة في عدد محدود من الأندية، وباتت أندية أخرى قادرة على الدخول في صفقات تصل قيمتها إلى نحو مليوني دولار، ما رفع حدة المنافسة وفتح السوق أمام خيارات أكبر.

وأكد أن زيادة الإنفاق لا تعني بالضرورة زيادة جودة الصفقات، لأن المشكلة تبدأ عندما تتحول رغبة المدرب أو الإدارة إلى قرار نهائي من دون وجود لجنة فنية قادرة على مراجعة الاختيارات وتحليلها موضوعياً، ومن هنا، فإن الصفقة الناجحة تحتاج إلى منظومة متكاملة تبدأ بتحديد الاحتياج، ثم دراسة اللاعب وأرقامه ومستواه الحديث، والتأكد من قدرته على التأقلم مع الفريق والدوري، قبل الوصول إلى القرار المالي.

وتقود شهادات الوكلاء الأربعة إلى نتيجة واحدة، وهي أن سوق المحترفين في الإمارات انتقلت من البحث عن الاسم إلى البحث عن الملاءمة، وإن كانت بعض الأندية لا تزال عالقة في معايير الجنسية والسيرة الذاتية والاسم الكبير، ولم يعد السؤال.. من اللاعب الأشهر المتاح؟ ولا من صاحب السيرة الذاتية الأضخم؟ وإنما.. من اللاعب الذي يحتاج إليه الفريق فعلاً؟ وبات المال يحدد مساحة الحركة، والمدرسة الكروية تحدد بعض الخيارات، والتكنولوجيا تكشف التفاصيل، والمدرب يحدد الاحتياجات، لكن الإدارة الرياضية المحترفة هي التي تجمع كل هذه العناصر في قرار واحد، وفي النهاية، قد تكون الصفقة بملايين الدولارات، لكنها تفشل لأنها لا تناسب طريقة اللعب، وقد تكون أقل تكلفة بكثير، لكنها تتحول إلى اكتشاف الموسم لأنها جاءت في المركز الصحيح، وبالمواصفات الصحيحة، وفي البيئة المناسبة، ولهذا، فإن معادلة المحترف الأجنبي في دوري أدنوك للمحترفين لم تعد «اسم + جنسية + سعر»، وإنما أصبحت أقرب إلى معادلة أكثر تعقيداً، وهي «احتياج فني + تحليل بيانات + ملاءمة تكتيكية + شخصية اللاعب + قدرة مالية»، وفي سوق تتسع فيه القدرة على الإنفاق، يصبح الفارق الحقيقي بين الأندية ليس في من يدفع أكثر، وإنما في من يختار أفضل.

متوسط الأعمار

ويبلغ متوسط أعمار المحترفين الأجانب في أندية دوري أدنوك للمحترفين هذا الموسم 30.2 عاماً للاعب الواحد، مع استمرار فترة القيد الصيفي حتى 28 سبتمبر الجاري، بعدما انطلقت في 13 يوليو الماضي، ما يتيح للأندية فرصة إجراء المزيد من التغييرات على قوائمها قبل إغلاق باب الانتقالات.

ويتصدر الجزيرة قائمة الأندية التي تضم أصغر المحترفين الأجانب من حيث متوسط الأعمار، بواقع 28.2 عاماً للاعب، في حين يأتي عجمان في الطرف المقابل، بمتوسط يبلغ 34.8 عاماً، ليكون محترفوه الأكبر سناً بين أندية المسابقة. وتتباين متوسطات أعمار المحترفين الأجانب بين بقية الأندية، إذ يبلغ المتوسط 30.7 عاماً في يونايتد، و31.2 في كلباء، و30.4 في الوصل، و30 عاماً في شباب الأهلي، و30.4 في خورفكان. كما يصل المتوسط إلى 29.2 عاماً في الظفرة، و31 عاماً في العين، و29 عاماً في النصر، و28.6 في حتا، و30.6 في الشارقة، و29 عاماً في الوحدة، و29.2 عاماً في بني ياس.

وتكشف الأرقام عن تفاوت واضح في توجهات الأندية بين الاعتماد على الخبرة والعناصر الأكثر نضجاً، وبين منح الأولوية للاعبين الأصغر سناً، في وقت لا تزال فيه سوق الانتقالات مفتوحة أمام تغييرات قد تعيد رسم متوسط الأعمار قبل الموعد النهائي للقيد. 36 جنسية وتفرض المدرسة البرازيلية حضورها بقوة في قوائم المحترفين الأجانب بأندية دوري أدنوك للمحترفين، بتواجد 10 لاعبين، إلا أن هذا الحضور لم يكن كافياً لمنح قارة أمريكا الجنوبية صدارة التنوع الجغرافي في سوق الانتقالات الصيفية الإماراتية، التي شهدت تعاقدات مع لاعبين من 36 جنسية.

وتتربع أوروبا وأفريقيا على قمة الحضور القاري، بواقع 26 لاعباً لكل قارة، يتوزعون بين 15 دولة أوروبية و11 دولة أفريقية، في مؤشر على اتساع خيارات الأندية الإماراتية وتنوع المدارس الكروية التي تستقطب منها عناصرها الأجنبية. وفي المقابل، تضم قوائم أندية دوري أدنوك 9 لاعبين آسيويين يمثلون 5 دول، بينما يقتصر الحضور القادم من أمريكا الشمالية على لاعب واحد، في ظل استمرار التفوق الأوروبي والأفريقي من حيث العدد والتنوع. وعلى مستوى الجنسيات العربية، يتصدر المحترفون المغاربة قائمة الأكثر حضوراً، بواقع 4 لاعبين، يليهم لاعبان من تونس، إلى جانب محترف مصري واحد، لتؤكد السوق الإماراتية استمرار جاذبيتها للاعبين العرب، بالتوازي مع الانفتاح المتزايد على مختلف المدارس الكروية حول العالم.