محمد العريان: هدوء الأسهم يخفي اضطراباً في سوق السندات.. والمخاطر تتسع

محمد العريان
محمد العريان

شهد الانتقال من سبتمبر إلى أكتوبر هدنة قصيرة للمستثمرين في أدوات الدخل الثابت، بينما دفعت أسهم التكنولوجيا مؤشر ناسداك إلى مستوى قياسي جديد، في وقت بدأ فيه إعادة التسعير الهيكلي لمخاطر الديون السيادية يترك أثراً أكبر على الائتمانات الأكثر عرضة للمخاطر، سواء الشركات ذات العائد المرتفع أو اقتصادات مجموعة السبع الأكثر حساسية لأسعار الفائدة مثل فرنسا، وذلك وفقاً لتقرير الحصاد الأسبوعي للخبير الاقتصادي محمد العريان.

كان استمرار التقلبات في أسواق السندات الحكومية السمة الأبرز للمشهد المالي خلال الأسبوع الماضي، إذ وصلت عوائد السندات السيادية إلى أعلى مستوياتها في عدة عقود في مجموعة واسعة من الاقتصادات المتقدمة، في عملية مؤلمة ظل محركها الرئيسي الولايات المتحدة.

ولم يكن ذلك مجرد تعديل لتوقعات مجلس الاحتياطي الفيدرالي أو لتحركات أسعار النفط العالمية ومؤشرات النمو، رغم أن هذه العوامل الثلاثة زادت من حدة التقلبات.

وإنما كانت الأسواق تمر بعملية إعادة تسعير هيكلية طويلة الأجل، استجابةً لارتفاع هيكلي في الطلب على تمويل السندات من الحكومات والشركات، ولا سيما شركات التكنولوجيا، إلى جانب انخفاض المعروض من تمويل السندات من المشترين التقليديين الموثوق بهم على المدى الطويل.

والأهم أن الأسبوع قدم دليلاً واضحاً وفورياً على انتقال مخاطر أسعار الفائدة بصورة متزايدة إلى مخاطر الائتمان وفروق العائد. فخلال أسابيع، تعامل كثير من المستثمرين مع ارتفاع أسعار الفائدة الخالية من المخاطر باعتباره ظاهرة معزولة ومحصورة في سوق السندات السيادية.

لكن استراتيجية الاحتواء هذه تتعرض الآن لضغوط واضحة، كما ظهر في فروق العائد على السندات مرتفعة العائد خلال الأسبوع الماضي. وكان التباين داخل قلب منطقة اليورو أكثر لفتاً للانتباه، مع اتساع الفجوة بين عوائد السندات الحكومية الفرنسية والألمانية إلى نحو 150 نقطة أساس خلال الأسبوع الماضي.

ويكشف ذلك عن نقاط الضعف المحلية، ويذكّر المستثمرين بأنه عندما يتراجع المدّ الوقائي للسيولة العالمية الرخيصة، تظهر نقاط الضعف المالية الهيكلية وتتعرض لعقاب الأسواق، خصوصاً عندما تأتي وسط موسم انتخابي شديد التنافس، كما هو الحال في فرنسا.

وظلت أسواق الأسهم مرنة بصورة لافتة طوال اضطرابات الأسبوع، إذ وجدت الأسهم دعماً في قراءة مؤشر أسعار نفقات الاستهلاك الشخصي، أو PCE، التي جاءت أقل من المتوقع، ولا سيما تقرير الوظائف الأميركي الصادر يوم الجمعة، الذي جاء أضعف من المتوقع.

وتعاملت الأسواق مع تباطؤ سوق العمل باعتباره سيناريو «غولديلوكس»، أي تباطؤاً اقتصادياً لا يثير مخاوف حادة بشأن النمو، ما دفع مؤشر ناسداك، المثقل بأسهم التكنولوجيا، إلى مستوى قياسي جديد. وجاء نمو الوظائف أقل بكثير من التوقعات، بينما تباطأ نمو الأجور إلى حد ما. كما ارتفع معدل البطالة، بالتزامن مع زيادة مرحب بها في معدل المشاركة في قوة العمل.

وارتبط رد فعل سوق الأسهم ارتباطاً وثيقاً بإعادة تسعير حادة وميسرة لتوقعات السياسة النقدية لمجلس الاحتياطي الفيدرالي. ففي بداية الأسبوع، كانت الأسواق قد منحت، وفقاً لرأي الكاتب بشكل مبالغ فيه، احتمالاً بنسبة 70% لرفع الفائدة مرة أخرى في أكتوبر، وفقاً لما فصله في منشورات سابقة. لكن بحلول يوم الجمعة، تراجع الاحتمال الضمني بشدة إلى 23% فقط.

كما انخفض الاحتمال الذي تسعّره الأسواق لرفع الفائدة في ديسمبر، من نحو 95%، وهو ما كان يعادل تقريباً اليقين، إلى 86%. وجاء ذلك رغم أن تصريحات مسؤولي الاحتياطي الفيدرالي خلال الأسبوع كانت تميل إلى التشدد، لكنها كانت أقل تشدداً مما كانت الأسواق قد سعّرته مسبقاً.

ولم تكن إعادة ضبط توقعات السياسة النقدية السريعة نتيجة بيانات سوق العمل يوم الجمعة وتصريحات مسؤولي الفيدرالي وحدها، إذ تأثرت أيضاً بقراءة مؤشر مديري المشتريات الصناعي ISM التي جاءت أضعف من المتوقع، رغم أن مكون الأسعار المدفوعة ظل مرتفعاً بشكل غي مريح. وفي الوقت نفسه، واصلت بيانات اقتصادية أخرى إظهار انقسام محيّر.

واتسعت الفجوة بين بيانات المسوح الأميركية الضعيفة والبيانات الاقتصادية الفعلية القوية، إذ ترسم مؤشرات ثقة المستهلك صورة متزايدة القلق بشأن آفاق الاقتصاد، بينما تظل البيانات الفعلية التي تقيس الإنتاج والاستهلاك متماسكة. وفي أماكن أخرى، سجلت كل من أوروبا والصين ارتفاعاً في مؤشرات مديري المشتريات، بينما كان ارتفاع قراءات التضخم في منطقة اليورو أقل طمأنة.

وواصلت التطورات الجيوسياسية وتلك المرتبطة بالطاقة التأثير في الأسواق. وبينما ظلت المناقشات بين الولايات المتحدة وإيران متوقفة، أفادت عدة مصادر بأن إمدادات النفط الخام التي تمر عبر مضيق هرمز تجاوزت الآن 90% من مستويات ما قبل الحرب. في المقابل، ظلت تدفقات الديزل عند مستوى يُقدر بنحو 50%.

وأدى استمرار ارتفاع أسعار المنتجات المكررة، ولا سيما الديزل الذي يحمل أكبر تداعيات سياسية، إلى دفع الحكومة الأميركية دول مجموعة السبع الأخرى إلى تنسيق إفراج ضخم عن المخزونات يصل إلى 100 مليون برميل من النفط الخام، والأهم من ذلك كميات من الديزل.

ورغم أن الأسواق المالية تجاهلت الإعلان إلى حد كبير في الوقت الفعلي، فإن الخطوة تحمل أهمية سياسية، إذ تظهر كيف كانت الاعتبارات السياسية المحلية والضغوط الجيوسياسية تدفع العديد من القرارات المتعلقة بالسياسات.

ومن الناحية الاقتصادية، يمثل الإفراج المنسق عن المخزونات رهاناً مهماً على تحسن آفاق الإمدادات الأساسية، خصوصاً مع دخول نصف الكرة الشمالي موسم الشتاء، الذي يشهد ارتفاعاً في الطلب.

وحصل البيت الأبيض أيضاً على موافقة شركات تكنولوجيا كبرى على اتفاق يركز على الرقابة الذاتية والرقابة الجماعية. وجاء ذلك في الوقت الذي أعلنت فيه شركة أوبن إيه أي تأجيل طرحها العام الأولي إلى العام المقبل، بينما واصلت أنثروبيك المضي قدماً في خطتها للطرح. كما أعلنت شركات أخرى تأجيل خطط الطرح العام الأولي، في انتظار انتهاء تقلبات أسعار الفائدة.

وينتقل التركيز خلال الأسبوع المقبل بشكل واضح إلى ما إذا كانت البيانات الاقتصادية الجديدة في الاقتصادات الكبرى ستؤكد تفاؤل سوق الأسهم و/أو تخفف من القلق في سوق السندات. وتبدأ الأجندة الاقتصادية بإصدار مؤشر ISM المركب لقطاع الخدمات الأميركي. ومع الضعف الذي أظهره القطاع الصناعي بالفعل، ستخضع بيانات الخدمات لتدقيق وثيق.

وإذا أظهر قطاع الخدمات قدرة مستمرة وقوية على الصمود، فقد تتعرض إعادة تسعير الأسواق الحادة لاحتمالات رفع الفائدة في أكتوبر للاختبار، حتى قبل صدور بيانات التضخم، ممثلة في مؤشر أسعار المستهلكين، والمقرر صدورها في الأسبوع التالي.

وفي منتصف الأسبوع، يعود التركيز التحليلي إلى مجلس الاحتياطي الفيدرالي. ففي الأربعاء 7 أكتوبر، ستصدر اللجنة الفيدرالية للسوق المفتوحة محضر اجتماعها المرتقب بشأن السياسة النقدية في سبتمبر. وكانت اللجنة قد صوتت في اجتماع سبتمبر بالإجماع 12-0 للمضي قدماً في زيادة قدرها 25 نقطة أساس في النطاق المستهدف.

وسيدقق المشاركون في السوق في المحضر التفصيلي بحثاً عن مؤشرات بشأن النقاش الداخلي الذي سبق هذا القرار. وسيهتم المستثمرون بشكل خاص بالتطورات الاقتصادية الكلية المستقبلية التي قد تدفع اللجنة إلى التوقف عن دورة رفع الفائدة، مقابل التطورات التي قد تجعلها بحاجة إلى مزيد من التشديد النقدي.

وعلى الصعيد العالمي، يمثل الأسبوع المقبل تمهيداً لأسبوع حافل بالاجتماعات خلال الاجتماعات السنوية لصندوق النقد الدولي والبنك الدولي في تايلاند. ومن المنتظر أيضاً صدور الفصول التحليلية من تقرير آفاق الاقتصاد العالمي لشهر أكتوبر 2026، الصادر عن صندوق النقد الدولي، يومي 5 و6 أكتوبر.

وتشمل البيانات الاقتصادية الأخرى المرتقبة بيانات التجارة الأميركية، وتوقعات التضخم الصادرة عن بنك الاحتياطي الفيدرالي في نيويورك، وطلبات إعانات البطالة، ومؤشر جامعة ميشيغان لثقة المستهلك، والائتمان الاستهلاكي.

وفي منطقة اليورو، تشمل البيانات مبيعات التجزئة، وتضخم أسعار المنتجين، ومؤشرات مديري المشتريات.

أما اليابان، فتتضمن البيانات المرتقبة ثقة المستهلك، والتجارة، والمؤشرات الرائدة، ومؤشرات مديري المشتريات، بينما تصدر في المملكة المتحدة مؤشرات مديري المشتريات. وفي الاقتصادات الناشئة، يتركز الاهتمام بشكل خاص على نتائج الجولة الأولى شديدة التقارب من الانتخابات الرئاسية في البرازيل.