حمامة الطنيجي..أيقونة الطب الشعبي في الإمارات

في منطقة الذيد التابعة لإمارة الشارقة، يتردد كثيراً بين أهلها اسم «حمامة الطنيجي»، التي ارتبط اسمها بالطب الشعبي وذاع صيتها بين الناس. فمن لا يعرف حمامة بنت عبيد الطنيجي، التي أمضت أكثر من ثمانين عاماً في ممارسة الطب الشعبي وعلاج المرضى بمختلف العلل.

وكانت تمتلك براعة غير معهودة في تشخيص الأمراض. بدأت قصة حمامة الطنيجي عندما مرضت ابنتها مرضاً شديداً، ولم تجد لها علاجاً ناجعاً. في ذلك الوقت رأت حمامة في منامها إشارات إلى استخدام العلاج بالكيّ.

والكيّ هو أسلوب تقليدي في الطب الشعبي يقوم على كيّ مواضع معينة من الجلد بالجمر، فلجأت إلى كيّ مواضع في جسد ابنتها، وكانت النتيجة أن تعافت. وتلك كانت البداية لاتخاذ حمامة الكي علاجاً. هذه الحادثة كانت الشرارة التي أوقدت شعلة المهنة التي كرّست حياتها لها.

نشأت حمامة في البادية، حيث اعتاد الناس على التنقل من مكان إلى مكان بحثاً عن المرعى والكلأ، وفي تلك البيئة اكتسبت معرفتها بالأعشاب والنباتات الطبية المتوارثة، وتراكمت لديها الخبرة حتى أصبحت تتقن إعداد خلطات خاصة بعلاج أمراض مختلفة.

وامتلكت حمامة معرفة واسعة بالأعشاب المحلية، وأبدعت في تركيب خلطات طبيعية فريدة تحتوي على مكونات مثل: الخِيل، المر، المهتدي، الصريو، الغته، الهليلي، حبة البركة، ملح الزراني، المقل، الكركم، وغيرها من النباتات التي اشتهرت بفوائدها العلاجية. كانت تستخدم هذه الخلطات لعلاج أمراض متعددة من بينها الحمى، السرطان، مشاكل الكلى، العقم، وأمراض الكبد والبروستاتا.

وكانت تنصح مرضاها بتناولها في أيام معينة من الشهر.بصيرة لم تكن حمامة تعالج المرضى بالأعشاب فقط، بل كان لديها بصيرة في تشخيص الأمراض من الأعراض الظاهرة لها، ومن ذلك تشخيصها لمرضى الكبد من تفحصها لأعينهم.

وصدف ذات مرة أثناء زيارة فريق تصوير لها أن أخبرت أحد أفراد الفريق بعد تفحصها لوجهه أنه يعاني من مشكلة في الكبد، وقد كان بالفعل يشكو من مشكلة في الكبد. وكان أكثر ما اشتهرت به في طرق علاجها الأمراض هو العلاج بالكي أو ما يعرف في اللهجة الإماراتية بـ«الوسم».

حيث لجأت إلى الكي لعلاج أمراض من بينها : السرطان، أمراض الكبد (بوصفار)، البروستاتا، آلام الكلى، الحمى، والربو، إضافة إلى العلاج بالتدليك والوصفات العشبية التي كانت تمزج مركباتها بنفسها.

ورغم تقدمها في السن، ظل بيت حمامة في الذيد مفتوحاً للناس من قاصٍ ودانٍ. وحظيت حياة حمامة الطنيجي بتوثيق مهم عبر فيلم وثائقي بعنوان «حمامة» من إخراج نجوم الغانم، عُرض الفيلم في مهرجانات دولية مرموقة.

وقدم الفيلم لمحة شاملة عن حياتها اليومية، ومعرفتها بالطب الشعبي، وارتباطها العميق بالموروث. وكرمت دائرة الثقافة والإعلام في الشارقة حمامة الطنيجي تقديراً لدورها الريادي في حفظ التراث الشعبي وتوثيقه، خصوصاً في مجال الطب بالأعشاب والكي.

وقد شهدت لها نساء الذيد بأنها كانت تولد النساء قبل وجود المستشفيات الحديثة، وكانت أيقونة طبية حقيقية في مجتمعها. وقد قامت بتشخيص حالات أكثر من 100 ألف شخص، من مختلف الأعمار.

إن حمامة الطنيجي ليست مجرد امرأة مارست الطب الشعبي، بل هي شاهدة حية على أهمية العلاج بالأعشاب في حياة أهل البادية. هي قصة صمود وكفاح وتضحية، وارتباط وثيق بالإرث والعادات والأصالة وحب مساعدة الغير، وهي رمز لمجتمع يتكاتف فيه الجميع.