الرواية الإماراتية.. نضج سردي بعيداً عن إغراءات الجوائز

الرواية الإماراتية شهدت تطوراً كبيراً خلال السنوات الأخيرة
الرواية الإماراتية شهدت تطوراً كبيراً خلال السنوات الأخيرة
 قضايا المجتمع حاضرة بقوة في الرواية
قضايا المجتمع حاضرة بقوة في الرواية

شهدت الرواية الإماراتية خلال السنوات الأخيرة حضوراً متزايداً، ومؤثراً، على الساحة الثقافية العربية، مدفوعةً بتراكم التجارب السردية، واتساع مساحة النشر، إلى جانب الحضور اللافت في الجوائز الأدبية الكبرى، وفي مقدمتها الجائزة العالمية للرواية العربية «البوكر».

وهذا الحضور يثير تساؤلات عديدة حول طبيعة العلاقة بين الرواية الإماراتية والجوائز الأدبية: هل أسهمت الجوائز في تطوير الرواية الإماراتية؟ وهل غيّرت من أساليب الكتابة وموضوعاتها؟ أم أن الكاتب الإماراتي ظل وفياً لخصوصيته الإبداعية بعيداً عن إغراءات الجوائز وشروطها؟

«البيان» ترصد في هذا الاستطلاع آراء أديبات إماراتيات بالشأن الثقافي حول طبيعة تأثير الجوائز في مسار الرواية الإماراتية، إذ أكدن أنها نجحت في عدم الانجراف إلى مطبات الإثارة وبقيت تتميز وهي تحفظ خصوصيتها وترصد قضايا التبدلات والتطورات في المجتمع والذات، كما أكدت الأديبات أن الرواية الإماراتية شهدت خلال السنوات الماضية تحولاً ملحوظاً على مستوى البناء الفني والرؤى السردية، نتيجة تراكم التجارب وتعدد الأصوات الإبداعية.. وهو ما زاد من قيمتها ومستويات حضورها وتأثيرها. فأصبحت أكثر نضجاً وتنوعاً، وقدّمت أشكالاً وأساليب جديدة في السرد.

تقول الأديبة عائشة سلطان: «لا أستطيع القول إن الرواية الإماراتية تأثرت بشروط الجوائز، لكن يمكنني القول إنه، وبعد مرور سنوات طويلة على انطلاقة الرواية الإماراتية، وظهور أجيال وتجارب جديدة، باتت الرواية الإماراتية أكثر نضجاً وتنوعاً، وظهرت فيها أشكال وأساليب سردية جديدة».

وأضافت: «لكن هذا لا يعني بالضرورة أن الكتّاب أصبحوا يكتبون وفق ما تبحث عنه الجوائز، أو وفق معايير محددة تفرضها، وأعتقد أن لدينا اليوم الكثير من الروايات الإماراتية المميزة التي استطاعت أن تقدم نفسها بخصوصية واضحة خلال السنوات الأخيرة».

وأكدت أن الرواية، بطبيعتها، تتأثر بكل التحولات المحيطة بها، سواء كانت اجتماعية أو فكرية أو ثقافية، كما تتأثر بالجوائز الأدبية وما تخلقه من حراك واحتفاء بالسرد، وترى أن الجائزة العالمية للرواية العربية «البوكر»، أسهمت، بشكل أو بآخر في تطوير أدوات الرواية الإماراتية، سواء من خلال تبني تقنيات سردية جديدة، أو عبر توسيع دائرة الموضوعات والقضايا التي تتناولها.

بدورها، قالت الكاتبة والناقدة الدكتورة مريم الهاشمي: «بالطبع، الرواية الإماراتية، مثلها مثل أي رواية أخرى، تتأثر بكل شيء، كتحولات المجتمع، والذات المبدعة، وبقراءات الكاتب ومواقفه من الحياة، وبالقضايا التي يتبناها، وبانكساراته أيضاً، لأن المبدع في النهاية إنسان، كما تتأثر الرواية بالجوائز وبالحضور الأدبي والاحتفاء بهذا الجنس الأدبي، الذي بات يحظى باهتمام واسع، والرواية الإماراتية، كغيرها من الروايات العربية تأثرت بالفعل».

وأضافت: «ظهر هذا التأثر في تبني تقنيات سردية جديدة، وفي تطور تناول القضايا الإنسانية والاجتماعية التي كانت حاضرة في الرواية الإماراتية الأولى، وما زالت حاضرة حتى اليوم، ولكن بأدوات وأساليب أكثر تطوراً، فقد تغير عالم الرواية وتحوّل، لكن جائزة البوكر، إلى جانب كونها جائزة انطلقت من هذه الأرض، فهي معنية بالرواية الإماراتية والكاتب الإماراتي والقارئ الإماراتي، وأراها من أهم الجوائز المرتبطة بالرواية العربية، بل ربما الأغلى بالنسبة إلى الروائي العربي، وليس الإماراتي فقط».

قناعات فكرية

وأوضحت الهاشمي: «في المقابل هناك من يرى أن الكاتب الإماراتي لم يكتب من أجل الجوائز بقدر ما كتب انطلاقاً من قناعاته الفكرية والاجتماعية، وظل حريصاً على التعبير عن بيئته المحلية وقيم مجتمعه، كما أن الأعمال الإماراتية التي وصلت إلى القوائم الطويلة والقصيرة للجوائز الكبرى حافظت على خصوصيتها، ولم تنجرف نحو كسر «التابوهات» أو البحث عن الإثارة بهدف لفت انتباه لجان التحكيم».

وترى الكاتبة نادية النجار أن الكاتب الإماراتي يحاول إرضاء الجوائز بقدر ما يحاول التعبير عما يؤمن به.

وتابعت: «من خلال اطلاعي على التجارب الإماراتية التي وصلت إلى القائمتين الطويلة والقصيرة، وجدت أن كتّاباً مثل سلطان العميمي وريم الكمالي ونادية النجار وصالحة غابش، كانوا يقولون أفكارهم التي يؤمنون بها، وكانوا منسجمين مع طبيعة المجتمع الإماراتي المحافظ، بل لم يكن هناك ميل واضح لكسر التابوهات الدينية أو السياسية أو الجنسية من أجل الوصول إلى الجوائز، رغم أن بعض التجارب العربية الأخرى قد تلجأ إلى ذلك أحياناً.

إن الكاتب الإماراتي ظل منسجماً مع عاداته وتقاليده وطبيعة مجتمعه، وهذا الاتساق يُعدّ إحدى ميزات الرواية الإماراتية، لأنها تعبّر عن مجتمعها الحقيقي.

فلماذا أكتب بطريقة كاتب في دولة أخرى فقط لأنه أكثر جرأة؟ أنا أكتب كما أنا، ووفقاً لمجتمعي، وإذا كان المجتمع محافظاً، فلا أرى في ذلك أي مشكلة».

وختمت: «لا أعتقد أن لجان التحكيم تنظر إلى هذه المسألة بوصفها معياراً للحكم على العمل، سواء كان الكاتب رجلاً أو امرأة، لكن الجوائز بشكل أو بآخر، منحت الكاتب الإماراتي والعربي حافزاً أكبر للإبداع وبذل جهد إضافي، فالكاتب الذي يصل إلى القائمة الطويلة يطمح للوصول إلى القصيرة، ومن يصل إلى القصيرة يطمح إلى الفوز».