قد يُعذر مسؤولو «نتفليكس» إن انتابهم القلق حيال «متلازمة الموسم الثاني»؛ إذ يضج قطاع الترفيه بالحديث حول معاناة الأجزاء اللاحقة لعدد من أنجح أعمال عملاق البث التدفقي في الاقتراب من أرقام المشاهدات القياسية التي حققتها مواسمها الافتتاحية الأولى.
وعند سؤاله عن هذا الاتجاه أثناء إعلان النتائج المالية للشركة، حاول تيد ساراندوس، الرئيس التنفيذي المشارك لـ «نتفليكس»، تفنيد الشكوك قائلاً: «هذا أمر شائع جداً في هذه الصناعة، لكنه يبدو أكثر وضوحاً لدينا لأننا نطلق عروضنا بزخم هائل».
وتابع: «إن انتشارنا العالمي، وآلية الاستكشاف لدينا، وطرح المواسم كاملة دفعة واحدة... كل ذلك يتيح لنا استقطاب قاعدة جماهيرية ضخمة في وقت مبكر؛ لذا تميل أعمالنا إلى الانطلاق بحجم كبير للغاية، بينما تبدأ الأعمال في معظم المنصات الأخرى بحجم متواضع نسبياً وتنمو أحياناً بعد ذلك». وأضاف ساراندوس: «إن نسبة تراجع نسب المشاهدة في المواسم الثانية قد تحسنت طفيفاً هذا العام مقارنة بالعام الماضي».
ورغم تلبيتها لتوقعات وول ستريت المالية، تراجع سعر سهم «نتفليكس» عقب إعلان نتائجها؛ إذ انخفضت قيمتها السوقية بنسبة 18% هذا العام وبأكثر من 50% خلال الأشهر الـ 12 الماضية، ما بدد مليارات الدولارات من قيمتها.
والمستثمرون، في أدنى تقدير، قلقون حيال مشكلات الشركة. أما المشاهدون فيتنامى لديهم شعور متزايد بأن خدمة البث التدفقي الأولى في العالم باتت تفتقر إلى أعمال تستحق المشاهدة.
وتُظهر نظرة سريعة على بيانات المشاهدة الخاصة بـ «نتفليكس» نفسها ما وُصف بأنه مصدر قلق متصاعد؛ إذ حقق الموسم الثاني من مسلسل الكوميديا الزوجية The Four Seasons لتينا فاي، أقل من نصف عدد مشاهدي موسمه الأول خلال أسابيعه الأربعة الأولى (14.5 مليوناً مقابل 32.9 مليون مشاهدة).
كما شهد مسلسل الإثارة والتحقيقات الفيدرالية The Night Agent تراجعاً تدريجياً، بعدما حصد 73.9 مليون مشاهدة في الأسابيع الأربعة الأولى لموسمه الأول، ليصل إلى 40.9 مليون مشاهدة لموسمه الثالث.
الموسم الثاني من مسلسل Avatar: The Last Airbender. حقق 23 مليون مشاهدة بينما حقق الموسم الأول — الذي كان أحد أكثر أعمال «نتفليكس» مشاهدة في عام 2024 — نحو 50.2 مليون مشاهدة خلال تلك الفترة.
كما حقق الموسم الأول من مسلسل Wednesday، وهو العمل الضارب المستوحى من «عائلة آدامز» وتتصدر بطولته جينا أورتيغا ويُعد الأكثر مشاهدة على الإطلاق في تاريخ «نتفليكس»، نحو 252.1 مليون مشاهدة في الأشهر الثلاثة التي أعقبت إطلاقه عام 2022؛ في حين لم يجمع الموسم الثاني سوى 119.3 مليون مشاهدة خلال الفترة الزمنية ذاتها بعد طرحه على دفعتين العام الماضي.
وهناك استثناءات بالطبع؛ إذ يحتل الموسمان الرابع والخامس من مسلسل Stranger Things المركزين الثالث والرابع على التوالي في قائمة أعمال «نتفليكس» الأكثر شعبية باللغة الإنجليزية على الإطلاق، متقدمين على الأجزاء الأولى من العمل؛ كما واصل مسلسل Bridgerton اجتذاب مزيد من المشاهدين بعد موسمه الثاني.
فلماذا يحدث هذا؟ منذ أن نشرت وكالة «بلومبرغ» تقريراً عن هذه الظاهرة في وقت سابق من هذا الشهر، طُرحت تفسيرات عديدة دون التوصل إلى سبب قاطع.
رأى البعض أن الفترات الزمنية الطويلة الفاصلة بين المواسم تقف وراء الأرقام المتواضعة للأجزاء اللاحقة، غير أن هذا التراجع كان جلياً وحقيقياً في الموسم الثاني من مسلسل الفانتازيا The Sandman لنيل غيمان، الذي فصلت بين أجزائه ثلاث سنوات، تماماً كما حدث مع مسلسل تيد دانسون A Man on the Inside؛ والذي تصدر موسمه الأول قائمة «نتفليكس» الأسبوعية فور انطلاقه، لكنه فشل في دخول قائمة الأعمال العشرة الأكثر مشاهدة في موسمه الثاني بعد مرور عام واحد فقط.
يرى آخرون أن نموذج الطرح المعتاد لدى «نتفليكس» — الذي يتيح للمشاهدين المشاهدة المتتابعة (Binge-watching) بدلاً من بناء حالة الترقب والشغف عبر حلقات أسبوعية — هو المسؤول عن ذلك.
فقد نجحت مسلسلات مثل The White Lotus وThe Pitt من شبكة «HBO» في تنمية قواعدها الجماهيرية من خلال إبقاء المشاهدين مشدودين، وتحولت إلى أعمال واسعة الانتشار عبر التزكية الشفهية بين الناس، لتصبح ما يُعرف في مصطلحات الصناعة بـ «موعد المشاهدة الثابت».
وهناك أيضاً انطباع لدى البعض بأن جودة إنتاجات «نتفليكس» ليست بالمستوى المطلوب أي أنه من الصعب العثور على ما يستحق المشاهدة فعلياً. ونقل موقع «Vulture» الإخباري الترفيهي هذا الأسبوع عن مسؤول تنفيذي لدى إحدى المنصات المنافسة لـ «نتفليكس» قوله:
«معظم أعمال نتفليكس ليست ممتازة، لذا فحين تغيب هذه الأعمال المتواضعة لعام ونصف أو عامين ثم تعود، لا يكترث بها أحد؛ فلم يبنِ أحد معها علاقة وجدانية دائمة، ومن ثم يتجاوزها الجمهور وينصرف عنها». كما حظيت أعمال أخرى، مثل The Boroughs، بشعبية معقولة، لكنها أُلغيت بعد موسم واحد فقط.
إنها معضلة محيرة إلى حد ما. يقول توم هارينغتون، رئيس قسم التلفزيون في شركة الأبحاث «Enders Analysis»: «لا يمكنك أن تقول ببساطة: «هذا يحدث بسبب عامل كذا». بل هي جملة من العوامل المتشابكة؛ فقد تكون بعض الأعمال سيئة وحسب، أو ربما طُرحت في توقيت تزامن مع عرض عمل آخر أفضل على منصة أخرى، أو حتى في مكان آخر داخل نتفليكس نفسها».
وإنصافاً لـ «نتفليكس»، لا تقتصر هذه الإشكالية عليها وحدها؛ إذ يتعين على جميع منافسيها التعامل مع ما يصفه هارينغتون بـ «التآكل الطبيعي» لتراجع أعداد المشاهدين مع توالي مواسم المسلسلات. ويقول: «كل عمل تلفزيوني، باستثناء قلة نادرة، يفقد جزءاً من مشاهديه».
تضاف إلى ذلك معضلات بنيوية يواجهها قطاع الترفيه السائد بأكمله؛ وتحديداً النمو المتواصل لمنصة «يوتيوب» وشبكات التواصل الاجتماعي التي تستقطب الأعين بعيداً عن الأفلام والمسلسلات التقليدية.
ويوضح هارينغتون: «بات الأمر أصعب بكثير على الجميع فيما يخص مشاهدة المحتوى الطويل، لأن المحتوى القصير استحوذ على جزء هائل من ذلك الاهتمام، وسيكون من الطبيعي أن تزداد صعوبة الحفاظ على المشاهدين».
تبدو «نتفليكس» اليوم عند مفترق طرق بعد أكثر من عقد من النجاح والنمو المتواصلين — علماً بأن المنصة لم تبدأ في إنتاج وعرض مسلسلاتها الأصلية إلا مع إطلاق House of Cards عام 2013 — لتغدو بعدها شركة الترفيه الأولى في العالم بلا منازع.
وقد فاجأت الكثيرين حين وافقت على صفقة لشراء أصول البث والاستوديوهات التابعة لـ «وارنر براذرز ديسكفري»، وهي صفقة كانت ستمنحها مكتبة ضخمة لإثراء خدمتها، قبل أن تباغتها «باراماونت» وتقتنص الصفقة منها في اللحظات الأخيرة.
من بعض النواحي، تبدو «نتفليكس» ضحية لنجاحها والتزامها بالشفافية؛ فهي المنصة الوحيدة بين كبار مشغلي البث التدفقي أو القنوات التلفزيونية التي تنشر بيانات مشاهدة أسبوعية يمكن أن تتحول إلى عصا يُجلد بها ظهرها، في حين تحرص أيضاً على إصدار تقارير تفاعل نصف سنوية تفصّل بدقة بيانات مسلسلاتها وأفلامها الأكثر شعبية.
ولعل ما يعكس اعترافاً ضمنياً بأن مسؤوليها باتوا منزعجين من التدقيق الحثيث الذي يفرضه كونها المنصة الترفيهية الأبرز عالمياً، هو قرار «نتفليكس» قصر نشر تقرير التفاعل الضخم على مرة واحدة سنوياً بدءاً من شهر يناير.
وكتب مايك برولكس من مؤسسة «Forrester Research»: «تلجأ نتفليكس إلى مناورة مألوفة حين يصبح أحد المعايير محرجاً لها: إنها تحوّل دائرة الضوء إلى مكان آخر. فتقليص وتيرة تقارير التفاعل في اللحظة ذاتها التي بات فيها التفاعل تحت المجهر يبعث برسالة قوية مفادها: «ليس هناك ما يستدعي النظر هنا».
ويرى هارينغتون أن هذه التحولات «تخالف طبيعة المنصة المعهودة»، موضحاً: «لقد اعتادوا أن يكونوا في غاية التركيز والانضباط حول مبدأ: «هذه هي هويتنا، وهذا ما نفعله؛ نحن لا نقوم بعمليات استحواذ، ولا نضع إعلانات، ولا نبث الرياضة، ونقدم منتجاً ناصعاً ومحدداً».
ولكن حين تصبح الأمور أصعب قليلاً، وتتباطأ وتيرة النمو، يجدون أنفسهم مضطرين لكسر بعض القواعد التي وضعوها بأنفسهم.






