بعد 28 عاماً من الترحال مغامر بريطاني يعود إلى وطنه


بعد 28 عاماً من الترحال و50 ألف كيلومتر من المشي والمغامرة، أسدل البريطاني كارل بوشبي الستار على واحدة من أطول الرحلات البرية وأكثرها غرابة، عائداً إلى مسقط رأسه في مدينة هال الإنجليزية، بعدما طاف أربع قارات، وعبر تضاريس قاسية وحدوداً دولية، متحدياً الزمن والعقبات، من دون أن يستعين بأي وسيلة نقل.

بداية الحكاية

بدأت الحكاية عام 1998 حين كان بوشبي في التاسعة والعشرين من عمره، عقب انهيار زواجه وعودة زوجته إلى إيرلندا الشمالية برفقة ابنهما. يومها، اختار المظلي السابق أن يحوّل ألمه الشخصي إلى مغامرة استثنائية، واضعاً لنفسه قاعدتين لا يحيد عنهما: ألا يستخدم أي وسيلة نقل، وألا يعود إلى وطنه قبل إتمام رحلته.

ومن أميركا الجنوبية، وتحديداً تشيلي، شق طريقه عبر الأميركتين، وعبر مضيق بيرنغ المتجمد من ألاسكا إلى روسيا، ثم واصل رحلته عبر أجزاء من آسيا الوسطى وأوروبا، متنقلاً بين الأدغال والجبال والصحارى، حاملاً أمتعته على عربة معدنية ذات عجلة واحدة، ومواجهاً الطبيعة والحدود والتحديات السياسية والاقتصادية.

لكن الطريق لم يكن مفروشاً بالمغامرات وحدها؛ فقد اضطر إلى التوقف مرات عدة، بعدما رفضت موسكو منحه تأشيرة دخول، ثم جاءت الأزمة المالية العالمية عام 2008، وأعقبها وباء «كوفيد-19»، لتفرض عليه محطات انتظار طويلة في المكسيك. ومع كل عائق، كان يعود إلى النقطة التي توقف عندها، مستأنفاً رحلته من حيث تركها.

وفي أكتوبر الماضي، قطع بوشبي بحر المانش سباحة، ليعود أخيراً إلى الأراضي البريطانية، قبل أن يعبر جسر هامبر الشهير وسط الضباب، في مشهد اختلطت فيه مشقة الرحلة بفرحة الوصول، وسط تصفيق المستقبلين الذين احتشدوا لتحيته في طريقه إلى مدينته.

استقبال رسمي

وكان في استقباله نحو ألف شخص في وسط هال، حيث حظي المغامر، البالغ 57 عاماً، باستقبال رسمي وشعبي، شكر خلاله كل من ساندوه على امتداد رحلته، مؤكداً أن إنجازه لم يكن فردياً، بل ثمرة جهود أشخاص من مختلف أنحاء العالم ساعدوه على تجاوز العقبات.

غير أن نهاية المغامرة تفتح أمام بوشبي فصلاً جديداً لا يقل غرابة؛ إذ ينتظره لقاء والدته أنجيلا، ونجله آدم، وحفيدته البالغة 12 عاماً، التي لم يسبق له أن التقاها، قبل أن يواجه التحدي الأصعب: العودة إلى حياة يومية لم يعرف تفاصيلها منذ ما يقرب من ثلاثة عقود.

وكان بوشبي قد أقر، في مقابلة صحفية، بأن فكرة العودة إلى الحياة الطبيعية تثير لديه بعض المخاوف، قائلاً: «يجب عليّ التكيف والاندماج مجدداً في عالم الكبار». لكنه اختصر فلسفة رحلته برسالة تتجاوز حدود المغامرة: «نستطيع جميعاً تحقيق أكثر مما يمكننا تخيله".

فبعد أن كان التحدي طوال 28 عاماً هو الوصول إلى الوطن، أصبح التحدي الآن كيف يبدأ الحياة من جديد بعد رحلة غيّرت كل شيء.