من سفارة إسرائيل في ويلينغتون بنيوزيلندا، حيث فُتحت أولى صناديق الاقتراع، إلى حدود قطاع غزة التي اختارها غادي آيزنكوت لإطلاق تعهداته الانتخابية، والحدود الشرقية مع الأردن التي تفقدها بنيامين نتنياهو، تداخلت السياسة والحملة الانتخابية بالأمن في يوم حافل بالتطورات الإسرائيلية. فمع بدء التصويت المبكر في البعثات الدبلوماسية، أمس الخميس، حذّر الرئيس إسحاق هرتسوغ من الانقسام الداخلي، فيما اتجهت الحكومة لتمديد الوضع الأمني الخاص إلى ما بعد الانتخابات، وسط مخاوف من هجمات محتملة، واستطلاعات متعارضة تكشف تعقيدات تشكيل الحكومة المقبلة.
وبدأ الاقتراع في 101 مركز تصويت موزعة على 99 بعثة إسرائيلية حول العالم، لنحو 4800 ناخب مؤهل من الموفدين الرسميين وأفراد أسرهم، قبل الانتخابات العامة المقررة في 27 أكتوبر الجاري. وانطلقت العملية من نيوزيلندا، على أن تكون القنصليتان الإسرائيليتان في لوس أنجلوس وسان فرانسيسكو آخر محطاتها صباح اليوم الجمعة بتوقيت إسرائيل.
ومن العاصمة الأذربيجانية باكو، حيث زار سفارة بلاده بالتزامن مع التصويت، جدد هرتسوغ تحذيره من حدة الانقسام السياسي، مؤكداً أن «الانتخابات ليست حرباً أهلية»، وإنما وسيلة لتحديد اتجاه البلاد ومستقبلها. ودعا الإسرائيليين إلى ممارسة حقهم الانتخابي، بعدما كان قد تعهد ببذل جهوده لتجنب العودة إلى انتخابات جديدة إذا أخفقت الأحزاب في تشكيل حكومة، وهو موقف أثار اعتراضات من قوى سياسية ترفض أي تدخل مبكر في ترتيبات التحالفات.
لكن المخاوف المحيطة بالاقتراع لا تقتصر على الانقسام السياسي. فقد وافق وزراء الحكومة، وفق تقارير إسرائيلية، على تمديد «الوضع الخاص في الجبهة الداخلية» حتى الثالث من نوفمبر المقبل، أي بعد الانتخابات بأسبوع، بناءً على طلب وزير الدفاع يسرائيل كاتس، مع بقاء التمديد خاضعاً للإجراءات القانونية اللازمة، بما فيها موافقة لجنة الخارجية والأمن في الكنيست. واستند الطلب إلى تقييمات أمنية تحذر من احتمال كبير لوقوع هجمات تستهدف المدنيين، في ظل الغموض المحيط بجبهتي إيران ولبنان.
وفي موازاة هذه التحذيرات، تفقد نتنياهو، برفقة كاتس وقادة عسكريين، أعمال إنشاء جدار أمني ضخم على الحدود الشرقية مع الأردن، يمتد من نهر اليرموك شمالاً حتى إيلات جنوباً. وقال إن المشروع، الذي بدأ العمل عليه سابقاً، يأتي ضمن منظومة دفاعية تشمل تعزيز انتشار القوات والاستعداد لمواجهة تهديدات الطائرات المسيّرة، محذراً من محاولة اختراق الحدود. وربط رئيس الوزراء التحصينات الجديدة بما وصفه بتغيير العقيدة الأمنية الإسرائيلية، والاعتماد على مناطق أمنية وعمليات استباقية في مواجهة التهديدات.
وعلى جبهة غزة، اختار آيزنكوت، رئيس حزب «يشار» ورئيس الأركان السابق، منطقة قريبة من حدود القطاع لإعلان تعهده بإنهاء حكم حركة «حماس» خلال 18 شهراً من توليه رئاسة الوزراء. وأكد أن حكومته ستضع خلال أول 150 يوماً خطة لتحقيق الهدف، إما عبر تنفيذ خطة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بشأن غزة، أو من خلال عمليات عسكرية لتدمير الجناح العسكري للحركة.
وهاجم آيزنكوت نتنياهو، متهماً إياه بالإخفاق في تحقيق أهداف الحرب، معتبراً أن استمرار رئيس الوزراء في السلطة يعني استمرار حكم «حماس». وردّ الليكود بالتشكيك في قدرة آيزنكوت على تنفيذ تعهده في ظل التحالفات التي قد يحتاج إليها لتشكيل حكومته.
وأعادت هذه المواجهة ملف غزة إلى صلب السباق الانتخابي، مع اختلاف الطرفين بشأن إدارة الحرب وتحقيق أهدافها، دون تباعد واضح في هدف إنهاء حكم الحركة.
وتكشف استطلاعات الرأي عن صورة متباينة للمنافسة. فقد منح استطلاع للقناة 13، مساء الأربعاء، حزب آيزنكوت 20 مقعداً مقابل 18 لليكود، فيما أعطت القناة 12 الحزبين 23 و20 مقعداً على التوالي. وعلى النقيض، منح استطلاع للقناة 14 الليكود 29 مقعداً مقابل 20 لحزب آيزنكوت، ومعسكر نتنياهو 62 مقعداً، متجاوزاً عتبة الأغلبية البرلمانية بمقعد واحد.
وتتجاوز معضلة الانتخابات ترتيب الأحزاب إلى حسابات تشكيل الحكومة. فوفق استطلاع القناة 13، حصل معسكر نتنياهو على 51 مقعداً مقابل 50 للمعسكر المناهض له، فيما نالت القائمتان العربيتان 15 مقعداً، وذهبت أربعة مقاعد إلى قائمة أخرى. وهي أرقام تعكس أهمية الأحزاب الصغيرة وشروط التحالفات في تحديد شكل الائتلاف المقبل.
وفي محاولة لتجاوز احتمال غياب الأغلبية، أعلن آيزنكوت استعداده لتشكيل حكومة أقلية حتى لو حصل معسكره على 58 أو 59 نائباً، ثم العمل على توسيعها. غير أن زعيم حزب «إسرائيل بيتنا» أفيغدور ليبرمان رفض، الخميس، المشاركة في أي حكومة أقلية، حتى لو كانت انتقالية، مستبعداً التحالف مع نتنياهو أو الأحزاب العربية والحريدية، ومعتبراً أن الليكود قد يكون شريكاً في حكومة لا يقودها نتنياهو.
وتنعكس صعوبة التسويات في مواقف الناخبين أيضاً، إذ أظهر استطلاع القناة 13 تأييد 40% لحكومة تعتمد على دعم الأحزاب العربية أو امتناعها عن التصويت إذا كانت السبيل الوحيد لاستبدال نتنياهو، مقابل معارضة 43%. وفي المقابل، رفض 54% تشكيل حكومة يمينية مشروطة بإعفاء الحريديم من الخدمة العسكرية، مقابل تأييد 30%.


