العقوبات والتوتر الداخلي يضيّقان الخناق على طهران
فتحت الولايات المتحدة، أمس، الباب أمام تحرك دبلوماسي جديد مع إيران من نيويورك، لكنها أبقت شروطها وضغوطها العسكرية والاقتصادية قائمة، في وقت عرضت فيه طهران إعادة فتح مضيق هرمز خلال سبعة أيام مقابل تخفيف الضغط العسكري الأمريكي ورفع الحصار عن موانئها، ما وضع اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة أمام اختبار جديد لإمكان كسر الجمود بين الطرفين.
وقال وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو إن واشنطن منفتحة على الحوار مع الإيرانيين خلال اجتماعات الأمم المتحدة، لكنه أكد عدم وجود اجتماع مقرر حتى الآن، مضيفاً أن الولايات المتحدة ستؤيد لقاءً إذا كان يمكن أن يقود إلى «نتيجة إيجابية».
وربط روبيو أي مسار تفاوضي بالهدف الأمريكي المعلن المتمثل في منع إيران من امتلاك سلاح نووي.
الرئيس الأمريكي دونالد ترامب من جهته أبدى استعداده للقاء الرئيس الإيراني مسعود بيزشكيان في نيويورك، في وقت قال إنه لا يزال في مرحلة تحديد الخطوة المقبلة تجاه إيران، بين استمرار الضغط الاقتصادي والعمل العسكري أو محاولة التوصل إلى اتفاق.
لكن مسؤولاً إيرانياً كبيراً أكد لاحقاً أن لقاءً بين الرئيسين ليس مقرراً.
في السياق، قال ترامب لصحفيين في الأمم المتحدة، إن مسؤولين أمريكيين عقدوا اجتماعاً استمر 3 ساعات مع وفد إيراني، واصفاً الاجتماع بأنه كان جيداً جداً.
كما أعرب ترامب عن اعتقاده أن بلاده وإيران سيتوصلان إلى اتفاق في مرحلة ما.
وقال ترامب عقب اجتماع مع رئيس الوزراء البريطاني، آندي بيرنام في مقر الأمم المتحدة بنيويورك: أعتقد أننا سنتوصل إلى تسوية.
وفي موازاة ذلك، قال نائب الرئيس الأمريكي جي دي فانس إن إيران، بعد الضربات الأمريكية على ثلاث منشآت نووية، لا تستطيع تصنيع سلاح نووي «غداً أو خلال ستة أشهر أو سنة»، مضيفاً أن هدف الإدارة في المرحلة التالية هو منع طهران من امتلاك الموارد والبنية التحتية التي تتيح لها إعادة بناء البرنامج خلال السنوات المقبلة.
كما حمّل إيران مسؤولية جانب من ارتفاع أسعار الوقود بسبب الهجمات على السفن التجارية، وقال إن واشنطن تعمل على إبقاء تدفقات النفط والغاز مستمرة.
عرض إيراني
وفي المقابل، نقلت «رويترز» عن مسؤول إيراني كبير أن طهران تستطيع إعادة فتح مضيق هرمز خلال سبعة أيام إذا خففت الولايات المتحدة الضغط العسكري ورفعت الحصار المفروض على الموانئ الإيرانية.
وقال إن طهران سلّمت واشنطن عبر وسطاء، في 16 سبتمبر الجاري، مقترحاً لإنهاء الأعمال القتالية، وإن الوفد الإيراني الموجود في نيويورك يتمتع بصلاحيات كاملة لإحياء المسار الدبلوماسي ومناقشة تفاصيل الاتفاق عبر الوسطاء.
وأضاف أن على واشنطن أن تعلن رسمياً رغبتها في الحل الدبلوماسي وأن يتفق الطرفان على جدول زمني للمضي في العملية.
ووفق تقرير لوكالة «كيودو» نقلاً عن مسؤول إيراني، دعت المبادرة إلى استئناف المحادثات بهدف التوصل إلى نهاية دائمة للأعمال العدائية، فيما قال المسؤول إن واشنطن مطالبة بإظهار «الجدية والالتزام» إذا أرادت للمسار الدبلوماسي أن يتقدم.
وأفاد التقرير بأن المبادرة حظيت بموافقة المرشد الإيراني مجتبى خامنئي والمجلس الأعلى للأمن القومي.
وتزامنت الرسائل الدبلوماسية مع مواقف داخل إيران. وقال رئيس البرلمان وكبير المفاوضين محمد باقر قاليباف إن «الدبلوماسية لا تعني الاستسلام»، وإنما تحويل القوة على الأرض إلى مكاسب سياسية.
كما دعا السياسي الإصلاحي مهدي كروبي الرئيس بيزشكيان إلى لقاء ترامب إذا كانت الظروف مناسبة، وقال إن الحكومة ينبغي أن تمتلك الشجاعة لتجاوز «المحرمات السياسية»، معتبراً أنه رغم عدم الثقة بالطرف الآخر «لا يوجد سبيل آخر سوى طريق الدبلوماسية».
وأعلن الحرس الثوري بدوره أنه إذا اقتضت المصلحة الوطنية إجراء مفاوضات بالتوازي مع الحرب «فعلينا أن نتفاوض»، لكنه استبعد أي اتصال مباشر بين الحرس والولايات المتحدة.
ويكتسب التحرك الدبلوماسي ثقلاً إضافياً مع التراجع الحاد في حركة الملاحة.
وأظهرت بيانات شركة «كبلر» أن سفينتي سلع أولية فقط عبرتا مضيق هرمز الاثنين، مقابل عشر سفن في اليوم السابق، مقارنة بنحو 125 سفينة تجارية كبيرة يومياً قبل اندلاع الحرب في 28 فبراير.
ولا تشمل البيانات السفن التي ربما عبرت بعد إطفاء أجهزة التعرف الآلي لتجنب رصدها.
كما أُبلغ عن هجومين منفصلين على ناقلة نفط خام وناقلة غاز بترولي مسال.
وأصيب اثنان من أفراد طاقم ناقلة النفط بإصابات طفيفة، فيما تمكنت السفينتان من مواصلة الرحلة من دون قطر.
حرية الملاحة
وفي موقف خليجي، أكد الأمين العام لمجلس التعاون لدول الخليج العربية جاسم محمد البديوي أن أمن الممرات المائية في الخليج «شأن دولي وليس إقليمياً فحسب»، مشيراً إلى أن تعطيل الملاحة وعرقلة الحركة في «هرمز» انعكسا على العالم من خلال ارتفاع أسعار الطاقة واضطراب سلاسل الإمداد.
ودعا إيران إلى الالتزام بقرارات مجلس الأمن ووقف الهجمات وضمان عودة الملاحة في «هرمز» وباب المندب إلى مستويات ما قبل 28 فبراير.
وتحركت قوى دولية بالتوازي مع اتصالات نيويورك. وقال الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، بعد لقائه ترامب، إنهما اتفقا على العمل معاً لخفض التوتر في أسواق الطاقة وحماية البنى التحتية الحيوية في الشرق الأوسط وضمان حرية الملاحة في مضيق هرمز، مشيراً إلى وجود مقترحات دبلوماسية لإعادة فتح الممر المائي حتى قبل التوصل إلى اتفاق شامل.
كما دعت ألمانيا الصين إلى استخدام نفوذها لدى طهران للمساعدة في خفض التصعيد، فيما بحث وزيرا خارجية البلدين الوضع الإيراني وحرية الملاحة، وقالت بكين إنها ستواصل العمل من أجل السلام والوساطة.
وتكتسب الصين أهمية خاصة في هذه التحركات في ظل علاقاتها الاقتصادية الوثيقة مع إيران.
وفي الداخل الإيراني، أظهرت إجراءات قضائية جديدة جانباً آخر من الضغوط التي تواجهها البلاد.
وأعلنت النيابة في طهران مصادرة أصول تعود إلى 394 شخصاً تتهمهم السلطات بالتعاون مع «العدو» و«القوى المعادية للثورة»، شملت تجميد 2191 حساباً مصرفياً ومصادرة 37 سيارة.
وكانت السلطات قد صادرت في إجراءات سابقة عقارات وأصولاً مرتبطة بمعارضين وناشطين وعاملين في وسائل إعلام خارج إيران.