لبنان بين دائرة النار وحلقة التفاوض

أشخاص يركضون فيما تحترق سيارات بعد غارات إسرائيلية على مدينة صيدا الجنوبية
أشخاص يركضون فيما تحترق سيارات بعد غارات إسرائيلية على مدينة صيدا الجنوبية

يوسف رجّي: سلاح «حزب الله» لم يحرر القدس ولم يحمِ لبنان بل دفع البلاد نحو مزيد من الدمار

المشهد اللبناني يتدحرج ككرة النار نحو مرحلة شديدة الخطورة والحساسية، مع التوازي بين الحديث الرسمي عن خيار المفاوضات المباشرة مع إسرائيل، وتوسع دائرة النار الإسرائيلية في الجنوب واستمرار المواجهات مع ميليشيا «حزب الله» الذي يتعرض للمزيد من الأصوات المناهضة في الداخل، أولاً لإصراره على «دويلة السلاح»، وثانياً لمحاولة تعطيله مفاوضات الحكومة مع إسرائيل.

الرئيس اللبناني العماد جوزيف عون أعلن أن هدف المفاوضات المباشرة الجارية في واشنطن يتمثل في «استعادة الدولة لوجودها»، مؤكداً أنه اتخذ قرار المضي في هذا المسار حتى النهاية، انطلاقاً من قناعته بأن الحروب لم تحقق للبنان سوى الخسائر البشرية والمادية.

وشدد عون، وفقاً لوكالة الأنباء الألمانية، على أن لبنان «دولة ذات سيادة» وأنه يجب ألا يبقى اللبنانيون تابعين لأي جهة أو سلطة وصاية، معتبراً أن الدولة وحدها يجب أن تكون صاحبة القرار السياسي والأمني.

وأوضح، خلال لقائه وفوداً دينية وبلدية، أن الهدف الأساسي للمفاوضات يتمثل في وقف الاعتداءات الإسرائيلية، وانسحاب القوات الإسرائيلية، وعودة النازحين والأسرى، وانتشار الجيش اللبناني في الجنوب وتوليه وحده مسؤولية الأمن، إضافة إلى إطلاق عملية إعادة الإعمار.

كما أكد أن وحدة اللبنانيين تبقى «السلاح الحقيقي» في مواجهة محاولات إثارة الانقسامات الطائفية والمذهبية.

بدوره اعتبر وزير الخارجية اللبناني يوسف رجّي، خلال جلسة استماع أمام الجمعية الوطنية الفرنسية في باريس، أن المفاوضات المباشرة مع إسرائيل تمثل «السبيل الوحيد» لإنهاء الحرب، مؤكداً أن الخيار العسكري أثبت فشله وعدم قدرته على تحقيق نتائج سياسية أو أمنية، كما نقلت عنه وكالة فرانس برس.

واتهم رجّي ميليشيا «حزب الله» بمحاولة عرقلة هذا المسار، معتبراً أن سلاح الحزب لم ينجح في تحرير القدس أو حماية لبنان، بل دفع البلاد نحو مزيد من الدمار والاحتلال.

كما دعا إلى انسحاب إسرائيل ونزع سلاح الحزب ثم البدء بإعادة الإعمار، مطالباً فرنسا بممارسة ضغوط على كل من إسرائيل وإيران لدفع التسوية السياسية.

استمرار الغارات

في الأثناء، تواصلت الغارات الإسرائيلية المكثفة على مواقع «حزب الله» في مناطق واسعة من جنوب لبنان، حيث شنّ الطيران الحربي الإسرائيلي سلسلة غارات استهدفت بلدات عدة بينها طيرحرفا، ومجدل زون، وصريفا، وحاريص، إضافة إلى مناطق في قضاء صور ومرتفعات سجد. وأسفرت الغارات على مدينة صور ومحيطها عن مقتل 13 شخصاً وإصابة 15 آخرين، فيما بقي عدد من المفقودين تحت الأنقاض، بحسب وسائل إعلام لبنانية رسمية.

كما استهدفت المدفعية الإسرائيلية بلدات عدة في الجنوب، بينما وجّه الجيش الإسرائيلي إنذارات عاجلة إلى سكان بلدات الغسانية وحومين الفوقا وأنصارية لإخلائها، في مؤشر على احتمال توسيع العمليات البرية.

وفي تطور ميداني لافت، أفادت مصادر أمنية لبنانية بأن القوات الإسرائيلية توغلت بصورة أعمق داخل جنوب لبنان، ووصلت إلى محيط مدينة النبطية، أحد أبرز المراكز الاقتصادية في الجنوب، بعد السيطرة في وقت سابق على منطقة قلعة الشقيف الاستراتيجية، التي تشهد اشتباكات متواصلة بين الجيش الإسرائيلي وميليشيا «حزب الله».

في المقابل، أعلن الحزب تنفيذ هجمات استهدفت تجمعات لجنود وآليات إسرائيلية في بلدة القنطرة ومناطق أخرى جنوب لبنان، في وقت تتواصل المواجهات العسكرية على طول الجبهة الجنوبية وسط مخاوف متزايدة من اتساع نطاق الحرب وتحولها إلى مواجهة أكثر شمولاً.

ويبدو أن لبنان يقف اليوم أمام لحظة مفصلية، حيث يتقاطع التصعيد العسكري مع تحول سياسي واضح داخل مؤسسات الدولة نحو خيار التفاوض المباشر، في وقت لا تزال فيه الجبهة الجنوبية مفتوحة على احتمالات ميدانية وسياسية معقدة قد تعيد رسم التوازنات اللبنانية والإقليمية في المرحلة المقبلة.