بعد غياب امتد لنحو سبع سنوات منذ سقوط نظام عمر البشير، عاد أحمد هارون، رئيس حزب المؤتمر الوطني المحلول والمطلوب للمحكمة الجنائية الدولية، إلى الواجهة عبر لقاء إعلامي مطوّل، أعاد فتح ملف العلاقة بين "الإخوان" وقيادة الجيش بقيادة عبد الفتاح البرهان، ومستقبل نفوذ رموز النظام السابق في السودان.
ولم يقتصر الجدل الذي أثاره الظهور على عودة أحد أبرز قيادات النظام السابق إلى منبر إعلامي، بل امتد إلى ما حمله اللقاء من رسائل بشأن التفاوض وإنهاء الحرب، ودور الجيش في الحياة السياسية، وسط تساؤلات عما إذا كان "الإخوان" يسعون إلى تحويل نفوذهم خلال الحرب إلى حضور سياسي مباشر في ترتيبات الحكم المقبلة.
وجاء الظهور في توقيت حساس، تتزايد فيه الضغوط لإنهاء الحرب، وتتباين فيه المواقف داخل المعسكر المؤيد للقتال بشأن التفاوض وشروط التسوية وهو ما يمنح اللقاء أبعاداً تتجاوز استعادة هارون لحضوره الشخصي، إلى محاولة إعادة تقديم "الإخوان" أمام قواعدهم والسلطة القائمة والقوى الخارجية.
رسائل التفاوض وصراع التيارات
من أبرز ما تضمنه حديث هارون تأكيده أن الحروب تنتهي بالتفاوض، وأن موازين القوى على الأرض تؤثر في نتائج المفاوضات ويحمل هذا الموقف دلالة لافتة في ظل خطاب ارتبط لدى بعض أنصار استمرار الحرب برفض التفاوض وتصويره باعتباره تنازلاً.
ويبدو أن هذه الرسالة تستهدف مخاطبة الخارج بشأن استعداد التيار الذي يمثله هارون للتعامل مع الحل السياسي، كما تحمل أبعاداً داخلية تتصل بالخلافات بين تيارات "الإخوان" حول استمرار الحرب وشروط إنهائها.
ويطرح ذلك احتمال وجود محاولة لإعادة ترتيب مواقع هذه التيارات، وتقديم قيادات أكثر استعداداً للتفاوض باعتبارها مؤهلة للتعامل مع المرحلة المقبلة، خصوصاً مع تزايد المؤشرات على أن التسوية السياسية ستصبح جزءاً من مسار إنهاء الحرب.
البرهان و«الإخوان».. من يملك القرار؟
أعاد ظهور هارون إلى الواجهة سؤال حدود سلطة البرهان على قيادات "الإخوان"، ومدى استقلال القرار العسكري عن نفوذ التنظيمات السياسية.
فخروج رئيس المؤتمر الوطني المحلول إلى منبر إعلامي علني وهو المطلوب دوليا ومحلياًفي قضايا جنائية، وحديثه عن مستقبل الحرب والحكم، يثير تساؤلات بشأن مساحة الحركة المتاحة لقيادات النظام السابق، وقدرتها على التأثير في المشهد السياسي بالتوازي مع السلطة العسكرية.
ولا يكفي الظهور وحده لإثبات وجود اتفاق سياسي بين البرهان وهارون، أو أن قائد الجيش لا يملك سلطة على قيادات "الإخوان"، لكنه يعيد طرح احتمال وجود تقاطع مصالح بين الطرفين، خصوصاً بشأن مستقبل السلطة ودور الجيش في إدارة الدولة.
وتزداد أهمية هذا الجانب مع ما نُقل عن هارون بشأن خصوصية السودان ودور القوات المسلحة في الحياة السياسية، وهي تصورات فُهم منها الإبقاء على دور مؤثر للجيش في اختيار القيادة السياسية، مع منح المدنيين أدواراً في البرلمان والجهاز التنفيذي.
ويثير هذا الطرح مخاوف من إعادة إنتاج نظام يحتفظ فيه العسكريون بمركز القرار، بينما تتحرك المؤسسات المدنية ضمن حدود السلطة العسكرية، بما يفتح الباب أمام استمرار نفوذ القوى المتحالفة معها، ومنها "الإخوان".
عودة النظام السابق وسؤال العدالة
لا تنفصل الدلالات السياسية للقاء عن الوضع القانوني لهارون، المطلوب للمحكمة الجنائية الدولية بموجب مذكرة توقيف صادرة عام 2007 على خلفية اتهامات بارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية في دارفور.
وكان هارون من بين المحتجزين في سجن كوبر عقب سقوط نظام البشير، قبل أن يصبح وضعه موضع تساؤلات بعد اندلاع الحرب في أبريل 2023.
ويعيد ظهوره العلني ملف العدالة إلى الواجهة، ويطرح أسئلة بشأن موقف السلطات القائمة من تنفيذ الإجراءات القانونية المتعلقة به، فضلاً عن مستقبل قيادات النظام السابق ودورها المحتمل في أي تسوية سياسية مقبلة، كما يعكس اللقاء استمرار المواجهة السياسية بين رموز النظام السابق والقوى التي قادت ثورة ديسمبر، ويكشف أن التحالفات التي نشأت خلال الحرب لم تنه الخلافات التاريخية بين الأطراف المتحالفة عسكرياً.
عودة تتجاوز أحمد هارون
لم يكن ظهور أحمد هارون مجرد عودة لقيادي غاب عن المشهد الإعلامي، بل أعاد فتح ملفات نفوذ "الإخوان" داخل الجيش، وعلاقتهم بالبرهان، وموقعهم من ترتيبات الحكم بعد الحرب.
وبين رسائل التفاوض والتصورات المتعلقة بدور المؤسسة العسكرية، يبدو "الإخوان" معنيون بتأمين موقع لهم في مستقبل السودان، سواء عبر نفوذها داخل مؤسسات الدولة أو من خلال حضور سياسي مباشر.
أما الاختبار الحقيقي لعلاقة البرهان بـ "الإخوان"، فسيكون في مدى استقلال القرار العسكري، وموقف القيادة من عودة رموز النظام السابق، وطبيعة السلطة التي ستنبثق عن أي تسوية تنهي الحرب.
رفض واسع لانتاج النظام السابق
اعتبر خالد عمر يوسف نائب رئيس حزب المؤتمر السوداني والقيادي بتحالف «صمود»، ظهور هارون يكشف استمرار مشروع "الإخوان" السياسي وعداءهم لثورة ديسمبر، ورأى أن حديثه عن التفاوض يمثل محاولة لإعادة تقديم التيار الذي يمثله باعتباره مستعداً للحل السياسي. كما انتقد تصوره لدور الجيش في الحكم، محذراً من إعادة إنتاج نظام سلطوي تحت مظلة المؤسسة العسكرية.
وأصدر حزب التجمع الاتحادي من جهته بياناً قال فيه إن ظهور هارون يكشف مساحة الحرية التي تتحرك فيها قيادات النظام السابق لإعادة تنظيم صفوفها واستعادة السلطة، وطالب سلطات الأمر الواقع بالقبض عليه وإيداعه السجن، ودعا المجتمع الدولي إلى الضغط لتنفيذ مذكرات التوقيف الصادرة عن المحكمة الجنائية الدولية.
فيما اعتبر مصباح أحمد مدير الإعلام بحزب الأمة القومي أن ظهور هارون للعلن تحت حماية السلطة القائمة أسقط محاولات إنكار علاقة "الإخوان" بالحرب ونفوذهم داخل المؤسسة العسكرية، ورأى أنه أعاد تسليط الضوء على مساعيهم المحتملة لاستعادة التحكم في الدولة عبر بوابة الحرب.
