لطالما أعلى الفلاسفة والأدباء، في الحضارات شتى وعلى مر العصور، منزلة الرحمة، فأرسطو رآها شعوراً إنسانياً نبيلاً منبعه العدالة والعقل، وصنفها روسو بكونها الركيزة الجوهر للأخلاق والعدالة، كما عدّها جاك دريدا قيمة وجودية ترتبط بالقدرة على الإحساس بالآخر. ومن المؤكد أنه ليس أسمى وأندى من نبتها وثمرها حين يتأصل في بنيان ورحاب بساتين المجتمع، بفعل قيم ومبادئ قادة عظام لا يدخرون إمكانات أو جهوداً في سبيل تمكين وتقوية حضورها وتأثيرها، بينما يسطرون أروع النماذج في نشر أريجها والحثّ عليها وحمل لوائها، كما حال صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، نائب رئيس الدولة، رئيس مجلس الوزراء، حاكم دبي، رعاه الله، نصير المحتاجين ومغيث الملهوفين والمعوزين في بقاع الأرض قاطبة، الذي يلخص في كتابه «الرسائل»، الصادر، أخيراً، ضمن «رسالة الرحمة»، مفهومه ورؤاه وثوابت نهجه في رياض وفضاءات الرحمة، إذ يؤكد أنها البذرة والقاعدة الأصل في حياة الإنسان، بل ومقياس مدى تحضر المجتمعات ورقيها، وأسّ المحبة والتسامح، ومحرك الخير، والقيمة التي تعزز ألفة الناس وتقاربهم. ويدوّن سموه في رسالته:
«الحياة تقوم على الرحمة.. الحياة خلقت برحمة الله.. والحضارات تقاس بمقدار الرحمة في قلوب أبنائها».
أصحاب المعروف
يستهل فارس العرب رسالته بتمهيد يوضح فيه أنها موجهة إلى أصحاب المعروف والعمل الإنساني، المهمومين بنثر أريج الأمل وبذاره، المنشغلين بمساعدة المحتاجين وتنفيذ وصايا وكلمات الرحمن الذي يحثنا على ذلك:
«إلى صانعي الخير وناشري الأمل ورواد العمل الإنساني.. وأصحاب المعروف والإحسان للناس.. أقرب الناس إلى رب الناس.. أكتب هذه الرسالة». وعقب هذا الاستهلال، يباشر سموه تبيان جماليات الرحمة وأهميتها وكيفيات إثراء مقوماتها وأدوارها في المجتمع عبر مبادراته المتنوعة. ونجده يختار وهو يفعل ذلك، طبقاً لما درج عليه في أسلوبه الأدبي الشائق، أن يفتتح مديات سرده وسبره وتعريفه بمكنونات هذي القيمة الإنسانية الرفيعة، عبر حكاية حوار دار بينه وبين صديق له: «سألني قبل فترة أحد الأصدقاء: لماذا تطلق كل عام حملة مجتمعية كبرى في رمضان وأنت صاحب مؤسسات إنسانية كثيرة تقوم بعمل الخير طوال العام؟ ما الحاجة إلى ذلك؟
كانت إجابتي المختصرة: أريد أن أنشر الرحمة في المجتمع».
الأصل والجوهر
لا يرى صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، بحسه الإبداعي الرهيف.. والأخلاقي الجمالي الفريد، قيمة أسمى وأنبل من الرحمة التي هي صفة من صفات الله عزّ وجلّ، والأصل في الأرض والسماء والنور في الأرض والحامل الضامن للعدالة، وما يجسد ويحاكي ويغذي ويختصر معاني الأبوة والأمومة والنظام والخير. وينفحنا سموه درر رؤيته ومفهومه في هذا المقام، بديباجة «رسالة الرحمة»:
«علّمتني الحياة أن الكون بُني على الرحمة.. الشمس والهواء والمطر والماء، والأمومة والأبوة، والرزق، كلها من رحمة الله بنا. يقول سبحانه: (كتب ربكم على نفسه الرحمة). قبل أن يكتبها على عباده، كتبها على نفسه سبحانه لكل مخلوقاته».
ويتابع سموه شرحه في الشأن، موصّفاً الرحمة كونها جوهر الأشياء والموضوعات والقيم والمعاني، في دنيانا:
«علّمتني الحياة أن الرحمة هي التي تجعل الإنسان إنساناً.. هي التي تجعل الأب أباً.. هي التي تجعل المعلم معلماً.. وهي التي تجعل الحاكم حاكماً».
ثمّ يجزم فارس العرب، بكلمات بيّنة وضاءة، أن الرحمة حين تتجذر في أيّ مجتمع، تجعله سليماً معافى يخلو من العنف وتسوده المساواة، كما يغدو أفراده بمثابة عائلة واحدة يرتبط بعضهم ببعض برباط المحبة والأخوة، وكذا لا يعرف الحقد أو التعصب أو الكراهية طريقه إلى نفوسهم:
«المجتمع الذي لا رحمة فيه لا حياة فيه.. القوانين قد تمنع الجريمة، لكن الرحمة تمنع القسوة في المجتمع.. الشرطة قد تحفظ الأمن، لكن الرحمة هي التي تنشر المحبة.. المحاكم تفصل في النزاعات، لكن الرحمة تمنعها قبل أن تبدأ.. الرحمة تقلل الكراهية والغضب والانتقام وجميع الأمراض في المجتمع.. الرحمة تجعل المجتمع أسرة كبيرة وليس غابة يأكل فيها القوي الضعيف».
أساس التقدم والاستقرار المجتمعي
كلما تعمقنا في حديقة جديدة من «رسالة الرحمة» التي خطّها صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، نلقي أنفسنا مرتحلين في جنائن الصفاء والتعايش والانسجام والخير والنور والنبالة والتمدن والتطور ولقاء الثقافات وتآزر الشعوب وتعاون الأفراد وزوال الأحقاد، التي تشكلها وتنسج أثوابها الرحمة.
نعم، فسموه لا يجد أثمن منها لتمثل المحرك الأساس والعمود الذهبي للحضارة والتقدم، وما يسبق الاقتصاد ويتقدم عليه، في ضمان استقرار المجتمع: «الحضارة في جوهرها تقوم على الرحمة.. أخطر ما قد يصيب المجتمعات ليس التقلبات الاقتصادية، بل القلوب القاسية.. كيف تستطيع البيوت والمؤسسات والمجتمعات أن تعيش مع نفسها وتتعايش مع غيرها إذا فقدت الرحمة مع الآخرين والتعاطف معهم؟ الرحمة ليست فضيلة أخلاقية فقط، بل هي الأساس الذي تقوم عليه الحياة، وتتماسك به المجتمعات، ويصبح فيه الإنسان إنساناً».
رابطة توحد المجتمع
يهدينا صاحب روائع الكتب والأشعار، باني نهضة دبي، في رسالته القيمية، أنفع درس ونصيحة فيما يخص أجدى أسلوب بمقدوره أن يُمكننا من أن نكتشف حقيقة وكوامن أيّ إنسان، ونعرف دواخله بشكل وافٍ: «علّمتني الحياة: إذا أردت أن تعرف حقيقة إنسان ما، فانظر كيف يعامل من لا يحتاج إليهم ومن لا يخاف منهم، ومن لا ينتظر منهم شيئاً. الرحمة هي التي تكشف لك مدى إنسانية الإنسان وتحضّر المجتمعات.. كيف ينظر الإنسان إلى الفقير، وكيف يتعامل مع الصغير أو المسن الكبير، وكيف يتعاطف مع المريض والضعيف.. الرحمة هي الرابطة التي توحّد المجتمع وتقوّيه وتعليه».
إن الرحمة في فكر ووجدان صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، ليست قيمة إضافية أو متواضعة في مكانتها وأهميتها، بل إنها روح المجتمع ونبضه الخفاق، ومؤشر حيويته وحياته الصحية، علاوة على كونها تمثل قيمة دينية ووطنية وإنسانية عامة. ويحكي لنا سموه، بلسان وقلم الحكيم العارف، مفاهيمه وآراءه في هذا القبيل: «نشر الرحمة في المجتمع واجب أخلاقي وديني ووطني.. ننشر الرحمة من خلال حملات الخير في مجتمعاتنا.. من خلال النظر بعين الرحمة للعاملين في بيوتنا.. من خلال مؤسسات النفع العام في بلادنا.. الرحمة هي التي تحفظ للمجتمع روحه وإنسانيته واستقراره».
رسالة بلاد وثقافة شعب
«أخطر ما قد يصيب المجتمعات ليس التقلبات الاقتصادية، بل القلوب القاسية». هكذا يلخص ويحدد صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، حقيقة وأسباب علو شأن الرحمة، وأدوارها المحورية في سياقات حياة وأمن وطمأنينة المجتمع، حيث إنه يقرأ ويقلب مع دقائق وآفاق هذا التوصيف الحصيف الثاقب، كوامن صفحات قواميس وكنوز الرحمة، بشكل غير مسبوق، مشدداً على أنه لا ولن يرضى أن تكون هناك حدود ونهايات لأعماله الإنسانية بوتائرها العالية الفاعلة والمضاعفة، ولفعاله النابضة بناموس الرحمة وحب فعل الخير. ونتبين سموه يحثنا في هذا الميدان، لنواظب على السير في دروب الرحمة ونصرة المحبة، وعلى أن نغرس نبتها ونزرع بذورها في أطفالنا، وكذا أن نحولها ثقافة عمل وحياة في أوطاننا: «أعظم ما نفعله كرواد للعمل الإنساني أن نجعل الرحمة جزءاً من حياة أطفالنا وأسرنا ومدارسنا، وجزءاً من رسالة بلادنا وثقافة وطننا، وجزءاً من قيمنا وتحضرنا وإنسانيتنا».
كذلك يثني سموه على جهود رواد العمل الإنساني وحاملي شعلته، فيصفهم بـ«صناع الخير» و«الأكثر رحمة»: «لعل أكثر الناس وأقربهم إلى هذه المهمة العظيمة هم صناع الخير ورواد العمل الإنساني في مجتمعاتنا.. هم الأقرب إلى المحتاجين.. هم الأكثر رحمة بالضعفاء والمعوزين.. ليست المهمة فقط تطوير مؤسساتهم، واستدامة أعمالهم، وتعظيم أثرهم، بل الأهم من ذلك كله نشر الرحمة في مجتمعاتنا».
ويختتم صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، «رسالة الرحمة»، بأمنيات التوفيق لجميع العاملين في المجالات الإنسانية، وفي خدمة البلاد، وفي نشر الرحمة في قلوب العباد.



