الإماراتية انتقلت من إثبات الحضور إلى صناعة الأثر
النجاح الحقيقي للطبيب بما يتركه في حياة مرضاه والأجيال من بعده
عدم التعامل مع الطب باعتباره شهادة أو وظيفة بل رحلة مستمرة من العلم والخدمة والمسؤولية
بين عيادة طب الأسرة التي تضع الطبيب وجهاً لوجه أمام الإنسان وهمومه الصحية، وقاعات التعليم التي تصنع أطباء المستقبل، والبحث العلمي الذي يفتح أبواباً جديدة أمام المعرفة.
والقيادة الأكاديمية التي تتحول فيها الخبرة الفردية إلى أثر مؤسسي واسع، وصولاً إلى محطة الفضاء الدولية، تشكلت مسيرة الدكتورة حنان السويدي، نائب المدير التنفيذي والمدير التنفيذي للشؤون الأكاديمية في «دبي الصحية»، ونائب مدير جامعة محمد بن راشد للطب والعلوم الصحية للشؤون الأكاديمية، في رحلة إماراتية جمعت بين الطب والتعليم والبحث والابتكار والقيادة.
وفي هذه المسيرة، لم يكن الانتقال من الممارسة الطبية إلى المسؤوليات الأكاديمية والقيادية ابتعاداً عن جوهر الطب، وإنما توسعاً في مفهوم رسالته.
فبينما يستطيع الطبيب أن يصنع فارقاً مباشراً في حياة المريض الذي يقف أمامه، يستطيع التعليم الطبي أن يضاعف هذا الأثر عبر إعداد أجيال من الأطباء والطبيبات القادرين على الوصول إلى آلاف المرضى وتقديم رعاية أفضل لهم.
وتقدم تجربة حنان السويدي نموذجاً لمسيرة الكفاءات الوطنية التي استفادت من الفرص التي وفرتها دولة الإمارات في التعليم والتخصص والبحث والابتكار، ثم انتقلت إلى مرحلة أخرى تقوم على إعادة هذه المعرفة والخبرة إلى المجتمع والمشاركة في إعداد جيل جديد يحمل مسؤولية تطوير القطاع الصحي.
وتؤكد حنان السويدي أن أكثر ما تعتز به في رحلتها المهنية ليس منصباً أو إنجازاً منفرداً، وإنما كونها جزءاً من رحلة تطور القطاع الصحي والأكاديمي في دولة الإمارات.
وما أتاحته هذه الرحلة لها من فرصة لخدمة المرضى والمساهمة في تطوير التعليم الطبي ودعم البحث والابتكار والمشاركة في إعداد كفاءات صحية وطنية للمستقبل.
الطب بداية الرحلة
بدأت حنان السويدي مسيرتها المهنية في طب الأسرة، وهو تخصص ترك بصمته الواضحة على رؤيتها للممارسة الصحية، ورسخ لديها أهمية النظر إلى المريض بوصفه إنساناً متكاملاً وليس مجرد حالة مرضية أو تشخيص طبي.
ومع مرور السنوات، اتسعت دائرة مسؤولياتها لتنتقل من الممارسة الطبية إلى التعليم الطبي والبحث العلمي، ثم إلى القيادة الأكاديمية والمؤسسية، وتقول إن انتقالها إلى الأدوار القيادية لم يكن بالنسبة إليها ابتعاداً عن الطب، بل امتداداً لرسالته.
موضحة أن التأثير الإيجابي في حياة مريض واحد مسؤولية عظيمة، لكن المساهمة في إعداد أطباء وطبيبات قادرين على تقديم رعاية أفضل لآلاف المرضى تمنح هذه المسؤولية بُعداً أوسع وأكثر استدامة.
محطة استثنائية
ومن بين المحطات التي تحتل مكانة خاصة في مسيرة حنان السويدي، اختيارها أول طبيبة رواد فضاء تدعم مهمة الإمارات الأولى إلى محطة الفضاء الدولية، وهي تجربة وصفتها بالاستثنائية، لما حملته من فرصة للمساهمة في مرحلة تاريخية من مسيرة دولة الإمارات.
ولم تكن تلك التجربة محطة منفصلة عن رحلتها الطبية، بل كشفت أمامها امتداداً جديداً للمعرفة الصحية وقدرتها على الوصول إلى مجالات تتجاوز الحدود التقليدية للممارسة الطبية.
تعزيز التكامل
واليوم، تواصل حنان السويدي من خلال مسؤولياتها في «دبي الصحية» وجامعة محمد بن راشد للطب والعلوم الصحية العمل على تعزيز التكامل بين الرعاية الصحية والتعلم والبحث والابتكار.
وتنظر إلى هذا التكامل باعتباره أساساً لبناء منظومة صحية أكاديمية قادرة على تحقيق أثر مستدام في صحة الإنسان والمجتمع.
وفي قراءتها لواقع المرأة الإماراتية في القطاع الصحي، تؤكد أن ما وصلت إليه ابنة الإمارات اليوم يمثل مصدر فخر، ويرتبط برؤية دولة آمنت منذ تأسيسها بأن الاستثمار في الإنسان أساس التنمية، وأن المرأة شريك رئيسي في مسيرة الوطن.
وتشير إلى أن حضور المرأة الإماراتية في القطاع الصحي لم يعد مقتصراً على الممارسة السريرية، إذ أصبحت طبيبة وباحثة وأكاديمية وقائدة وصانعة قرار.
وأصبحت حاضرة في مختلف التخصصات الطبية، بما فيها المجالات الدقيقة والمتقدمة، إضافة إلى المواقع القيادية التي تشارك من خلالها في رسم مستقبل الرعاية الصحية والتعليم والبحث العلمي.
وترى أن أحد أهم المؤشرات على نضج تجربة تمكين المرأة يتمثل في أن الفتيات الإماراتيات من الأجيال الجديدة أصبحن ينظرن إلى هذه المسارات باعتبارها فرصاً طبيعية وممكنة أمامهن.
وتختصر هذا التحول بقولها إن المرأة الإماراتية انتقلت «من مرحلة إثبات الحضور إلى مرحلة صناعة الأثر».
تحديات وفرص
ولا تخلو الرحلات المهنية الطويلة من التحديات، خصوصاً في مجال مثل الطب الذي يتغير بصورة متواصلة ويضع العاملين فيه أمام مسؤولية مباشرة تتعلق بصحة الإنسان وحياته.
وتقول إن الطب بطبيعته رحلة مليئة بالتحديات، فهو مجال لا يتوقف فيه التعلم، ويتطلب الالتزام والانضباط والقدرة على اتخاذ القرار وتحمل المسؤولية تجاه المريض والمجتمع.
ومع تطور مسيرتها، تنوعت المسؤوليات، بداية من الممارسة الطبية مروراً بالتعليم والبحث العلمي، وصولاً إلى القيادة وإدارة فرق ومبادرات ذات أثر أوسع، وهو ما جعل كل مرحلة تحمل نوعاً مختلفاً من التحديات.
تعامل مباشر
وعلى الرغم من انتقالها إلى مواقع أكاديمية وقيادية، بقيت تجربة التعامل المباشر مع المرضى حاضرة في رؤيتها للطب.
وترفض حنان السويدي اختزال سنوات طويلة من الممارسة في حالة طبية واحدة أو موقف إنساني محدد، لأن كل مريض وكل تجربة تترك أثراً.
لكن فكرة أساسية ظلت ترافقها طوال تلك السنوات، وهي أن المريض الذي يلتقيه الطبيب ربما يكون واحداً من بين عدد كبير من المرضى الذين يعالجهم خلال مسيرته، إلا أن اللحظة نفسها بالنسبة إلى المريض وأسرته قد تكون واحدة من أصعب وأهم اللحظات في حياتهم.
وتعيدها هذه الحقيقة دائماً إلى جوهر رسالة «دبي الصحية»: «المريض أولاً».
فمهما تطورت التكنولوجيا، وتقدمت البحوث، وتغيرت أدوات التشخيص وأساليب العلاج، ترى السويدي أن الرحمة والإنصات واحترام الإنسان ستظل أساس الممارسة الطبية.
إنسانية الطب
وترى حنان السويدي أن التقدم لا ينبغي أن يكون على حساب البعد الإنساني للرعاية، فالطب، مهما تطورت أدواته، يبقى علاقة بين إنسان يحتاج إلى الرعاية وآخر يمتلك المعرفة والقدرة على مساعدته.
ولهذا تظل مهارات الإنصات والتواصل والرحمة واحترام خصوصية المريض واحتياجاته جزءاً أصيلاً من جودة الرعاية الصحية.
وتربط حنان السويدي ما حققته الكفاءات الطبية الوطنية بالدعم طويل المدى الذي أولته دولة الإمارات للاستثمار في الإنسان والتعليم.
ووجهت حنان السويدي رسالة واضحة إلى الجيل الجديد من الأطباء والطبيبات، دعتهم فيها إلى عدم وضع سقف لطموحاتهم، وعدم التعامل مع الطب باعتباره شهادة أو وظيفة، بل رحلة مستمرة من العلم والخدمة والمسؤولية.