في لجّة الحشد العسكري الأمريكي على مقربة من إيران، وبعد يوم من حديث الرئيس الأمريكي دونالد ترامب صراحة عن رغبته في «إسقاط النظام الإيراني»، فاجأت الخارجية الأمريكية المراقبين بإعلانها استعداد ترامب للقاء المرشد الإيراني علي خامنئي، وذلك في مشهد يجمع بين الانفتاح الدبلوماسي عالي المستوى والتصعيد العسكري تهديداً وحشداً، مع منح طهران مهلة شهرية للتوصل إلى اتفاق جديد حول برنامجها النووي.
وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو وصف التوصل إلى اتفاق بأنه «صعب للغاية»، مشيراً إلى أن الرئيس ترامب يفضل الحل الدبلوماسي، لكنه مستعد لدراسة جميع السيناريوهات «للحفاظ على المصداقية»، غير أن اللافت في التصريحات الأخيرة لم يكن التشدد فحسب، بل كشف روبيو عن استعداد ترامب للقاء خامنئي شخصياً «إذا كان ذلك سيسهم في إنجاز اتفاق».
هذا العرض للقاء وجهاً لوجه على مستوى القيادة العليا في البلدين يمثل تطوراً لافتاً، إذ ينقل المفاوضات من إطارها التقني إلى مستوى سياسي – استراتيجي غير مسبوق، لكن المفارقة التي باتت معتادة أن هذا الانفتاح يتناقض مع تصريح آخر لترامب قبل يوم واحد فقط، اعتبر فيه أن «تغيير النظام قد يكون أفضل ما يمكن أن يحدث».
هذا الجمع بين الاستعداد للجلوس مع خامنئي والحديث عن إسقاط النظام يثير تساؤلاً: هل الهدف تعديل السلوك النووي، أم إعادة صياغة النظام السياسي نفسه؟
ازدواجية تكتيكية
مراقبون يقرأون هذه الازدواجية كتكتيك ضغط لرفع سقف التهديد مقابل عرض حوار مباشر، لكنها في الوقت ذاته تمنح طهران مبرراً للتشكيك في جدية المسار التفاوضي، وتُعقّد حسابات الثقة قبل جولة جنيف.
هذه التصريحات الأمريكية تسبق الجولة الثانية من المحادثات المرتقبة في جنيف، الثلاثاء، بعد جولة أولى استضافتها سلطنة عمان قبل أسبوعين. ووفق مصادر مطلعة، وضعت واشنطن خيارات متعددة على طاولة ترامب، تشمل ضربات عسكرية محددة قد تمتد لأسابيع إذا فشلت الدبلوماسية، بهدف إجبار إيران على وقف تخصيب اليورانيوم وفرض قيود على برنامجها الصاروخي.
ترامب شدد على أن أي اتفاق يجب أن يتضمن وقف التخصيب داخل إيران، ملوحاً بإجراءات «صارمة للغاية» في حال الإخفاق، في إشارة إلى الضربات التي نفذتها الولايات المتحدة في يونيو من العام الماضي.
في المقابل، تتمسك إيران بسقف مواقفها، إذ شدد المتحدث باسم خارجيتها إسماعيل بقائي على أن حق بلاده في تخصيب اليورانيوم «ثابت وأصيل». وذكّر بعضوية إيران في معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية منذ عام 1970، معتبراً أن «التفسيرات الأحادية من قبل الدول المالكة للسلاح النووي أضعفت الثقة المتبادلة».
وأكدت طهران كذلك أن برنامجها الصاروخي ودعمها لحلفائها مسائل سيادية غير قابلة للتفاوض، ما يعمّق الفجوة مع المطالب الأمريكية التي تسعى إلى اتفاق أشمل يتجاوز الملف النووي.
ميدانياً، يتجسد الضغط الأمريكي في تعزيز عسكري واسع، حيث أعلنت وزارة الدفاع إرسال حاملة طائرات ثانية إلى الشرق الأوسط. وأكدت تقارير أن الحاملة «يو إس إس جيرالد آر فورد»، التي كانت متمركزة في البحر الكاريبي، ستنضم إلى حاملة أخرى موجودة بالفعل في المنطقة، برفقة مدمرات مسلحة بصواريخ موجهة وآلاف الجنود.
ورد المتحدث باسم لجنة الأمن القومي في البرلمان الإيراني إبراهيم رضائي على إرسال حاملة الطائرات، معتبراً أنها تمثل «هدفاً إضافياً»، في إشارة إلى استعداد طهران للرد العسكري إذا اقتضى الأمر.
الوساطة تتواصل
في كل الأحوال، تواصل مسقط وساطتها. ونقل وزير الخارجية العُماني رسائل أمريكية إلى طهران، وأُعدّت وثيقة تتضمن مقترحات حول إطار المحادثات، تسلمها أمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني خلال زيارة إلى مسقط، في محاولة لتقليص هوة الخلاف قبل جولة جنيف.
وقد أعلنت السلطات السويسرية، أمس، أن الجولة الجديدة من المفاوضات بين الولايات المتحدة وإيران ستعقد الأسبوع المقبل، على أن تكون بضيافة سلطنة عُمان التي سبق أن استضافت الجولة الأولى في مسقط. ونقلت وكالة فرانس برس عن متحدث باسم الخارجية بأن «سويسرا مستعدة في أي وقت لبذل المساعي من أجل تسهيل الحوار بين الولايات المتحدة وإيران».
وبين مائدة المفاوضات، وتحرك الحاملات، تدخل جنيف اختباراً حاسماً؛ إما اتفاق يعيد ضبط قواعد الاشتباك النووي، أو تصعيد تدريجي يصبح معه التراشق الكلامي مجرد تسخين لجبهة ساخنة أصلاً.
