التصريحات التي أدلى بها السفير الأمريكي لدى إسرائيل مايك هاكابي، والتي قال فيها إنه لا يرى بأساً في استيلاء إسرائيل على منطقة الشرق الأوسط بأكملها، تمثّل من وجهة نظر عربي وإسلامية ومن وجهة نظر القانون الدولي، خطاباً أيديولوجياً من شأنه أن يغذي التطرف ويشجع إسرائيل على مواصلة إجراءاتها غير القانونية، الأمر الذي يهدد الأمن في المنطقة برمتها.
عندما يتحدث سفير دولة عظمى بلغة «الحق التوراتي»، فإنه ينقل الصراع من طاولة المفاوضات السياسية (التي تقبل الحلول الوسط) إلى ساحة الصراع الوجودي (الذي لا يقبل إلا الغلبة). هذا يصعّب مهمة صهر الصفقات الاقتصادية التي يفضلها ترامب، لأن الشعوب لا تقايض أراضيها بـ«ازدهار اقتصادي» إذا كان الثمن هو محو هويتها الجغرافية.
لذلك فإن ما وراء هذه التصريحات التي تتناغم مع تصريحات سابقة أدلى بها رئيس الحكومة الإسرائيلية وعدد من وزرائه حول هدف «إسرائيل الكبرى» الذي يعملون لتحقيقه، تأتي في سياق دبلوماسي معقد.
في الوقت ذاته، هذه التصريحات تكشف عن «فجوة استراتيجية» داخل إدارة الرئيس دونالد ترامب الذي يتحرك بعقلية «عقد الصفقات» والتهدئة الإقليمية لضمان استقرار أسعار الطاقة ودمج إسرائيل في المحيط العربي، فيما يتحرك سفيره بمنطق «عقائدي توراتي». وهذا التضارب يجعل السياسة الخارجية الأمريكية تبدو وكأنها برأسين، ما يضعف هيبة الوساطة الأمريكية.
وبدلاً من الحديث عن «تبادل أراض» أو «دولة فلسطينية منقوصة السيادة»، نقل هاكابي الخطاب إلى «الحق في الاستيلاء على الكل». هذا التحول النوعي يعني أن المرجعية لم تعد قرارات الأمم المتحدة أو حتى اتفاقيات أوسلو، بل أصبحت مرجعية تاريخية دينية لا تقبل التفاوض، ما يغلق الباب أمام أي مسار سياسي تقليدي.
بالونات اختبار
غالباً ما تُستخدم مثل هذه التصريحات من قِبل الشخصيات المقربة من ترامب كـ«بالونات اختبار» لقياس ردة فعل الشارع العربي والقوى الإقليمية. إذا مرّ التصريح دون عواقب حقيقية، فإنه يتحول تدريجياً من «رأي شخصي» إلى «أمر واقع» يمهد لقرارات إدارية لاحقة.
ومن دون أدنى شك، فإن تصريحات هاكابي تمنح أصحاب المواقف الراديكالية «الدليل القاطع» على أن المسارات الدبلوماسية في الحلول عديمة الجدوى، وأن الهدف النهائي لإسرائيل هو التوسع الجغرافي وليس السلام، ما يسهل عمليات الالتفاف الشعبي وتصعيد التوتر الميداني.
سياسة أمريكا قائمة على أساس دمج إسرائيل في المنطقة، لكن تصريحات الضم هذه تعني «الاندماج مع التوسع»، وهي معادلة لا يمكن لأية دولة في المنطقة قبولها.
هذه التصريحات للسفير الأمريكي يضع واشنطن في مواجهة ليس فقط مع العالم العربي، بل مع الاتحاد الأوروبي والقوى الكبرى (الصين وروسيا) التي سترى في هذا «الخروج عن القانون الدولي» دعماً لفكرة البحث عن بديل أكثر توازناً واحتراماً لسيادة الدول في الشرق الأوسط.
وفي نهاية المطاف، فإن تصريح هاكابي تعبير عن تيار داخل الولايات المتحدة يرى في هذه المرحلة فرصة تاريخية لإعادة رسم خريطة المنطقة بالقوة، وهو ما يهدد بنسف استراتيجية ترامب القائمة على «الهدوء مقابل الازدهار».
