التهديد الأمريكي لكوبا يستعيد أجواء الحرب الباردة

التقرير الأمريكي الذي اتهم كوبا بأنها تدرس شن هجوم واسع بالطائرات المسيّرة ⁠على القاعدة ‌الأمريكية في غوانتانامو والسفن العسكرية الأمريكية، يبدو غريباً ويستحضر للأذهان زمن الحرب الباردة أكثر منه تقريراً استخبارياً تقليدياً.

التقرير الذي نشره موقع أكسيوس ويستند إلى «معلومات مخابراتية سرية»، يتحدث عن أكثر من 300 طائرة مسيّرة حصلت عليها كوبا، وعن احتمالات استهداف قاعدة غوانتانامو أو سفن أمريكية أو حتى مدينة كي ويست في فلوريدا، لا يمكن فصله عن المناخ السياسي والعسكري الذي يتشكل منذ أشهر بين واشنطن وهافانا، ولا عن الطريقة التي تُصاغ بها «التهديدات» أحياناً داخل المؤسسة الأمريكية عندما تكون هناك رغبة في إعادة تعريف عدو قديم بصيغة جديدة.

الموقع ينقل عن مسؤول أمريكي كبير قوله ‌إن المعلومات المخابراتية، التي ربما ⁠تصبح ذريعة لشن عمل عسكري أمريكي، ⁠تكشف إلى ⁠أي مدى ترى إدارة الرئيس الأمريكي ⁠دونالد ترامب في كوبا تهديداً بسبب التطورات في حرب الطائرات المسيرة ووجود مستشارين عسكريين ‌إيرانيين في هافانا.

التقرير يعترف ضمنياً بأن النقاشات الكوبية حول استخدام المسيّرات ليست دليلاً على هجوم وشيك، بل أقرب إلى «خطط طوارئ» أو سيناريوهات دفاعية محتملة، في ظل تصاعد التوتر مع واشنطن، لكن طريقة عرض الأمر في ساحة الإعلام الأمريكي، وربطه بالمستشارين الإيرانيين وبالطائرات الروسية والإيرانية، تخرجه من دائرة التقييم الأمني المجرد والبريء.

هافانا من جانبها قالت إنها تعتزم ممارسة حقها في الدفاع عن النفس في حالة وقوع هجوم عسكري من قبل الولايات المتحدة. وكتب نائب وزير الخارجية كارلوس فيرنانديز دي كوسيو على منصة إكس: «إن الحملة المناهضة لكوبا والتي تهدف إلى تبرير هجوم عسكري على كوبا، دون أي عذر على الإطلاق، تتكثف ساعة بعد ساعة، باتهامات تزداد بعداً عن الواقع».

وذكرت السفارة الكوبية في واشنطن أنه، من خلال الذرائع والأكاذيب، يتم تصوير «الاستعداد المنطقي» لهجوم محتمل على أنه شيء استثنائي.

إرث طويل

لا بد لكل مطلع على تاريخ العلاقة الأمريكية الكوبية المتوترة إلا أن يستحضر، مع هذا التقرير، إرث «الخطر القريب من الشواطئ الأمريكية». فمنذ انتصار الثورة الكوبية بقيادة فيدل كاسترو عام 1959، لم تتعامل واشنطن مع كوبا بوصفها دولة جارة ذات نظام معادٍ، بل باعتبارها «ثغرة استراتيجية» في الحديقة اللاتينية الخلفية.

ويتذكر العالم أزمة الصواريخ النووية السوفييتية عام 1962 في خليج الخنازير الكوبي، وكيف أنه بدا للمرة الأولى أن دولة عظمى معادية (الاتحاد السوفييتي) يمكنها التمركز على مرمى حجر وبضع دقائق من فلوريدا.

منذ ذلك الوقت، لم تعد كوبا في العقل السياسي الأمريكي مجرد جزيرة، بل أصبحت رمزاً لاحتمال الاختراق والتهديد. وفي هذا السياق، فإن أي حديث عن أسلحة جديدة، حتى لو كانت طائرات مسيّرة محدودة القدرات، يجري تضخيمه ويعاد تدويره في ماكينة الشكوك والهواجس. الفرق أن الصواريخ النووية السوفييتية في الستينيات استبدلت اليوم بمسيّرات إيرانية أو روسية، لكن البنية النفسية للرواية الأمريكية بقيت متشابهة إلى حد بعيد.

في كوبا تختلف النظرة والتقييم، إذ تعتبر القيادة أن الخطر الحقيقي ليس في امتلاك هافانا وسائل ردع محدودة، بل في التهديد الأمريكي الدائم بتغيير النظام. وعاشت شبه الجزيرة حصاراً اقتصادياً طويلاً، ومحاولات اغتيال لقادتها، وعقوداً من العمليات السرية الأمريكية. لذلك فإن أي تطور عسكري، حتى لو كان رمزياً، يجري تسويقه داخلياً باعتباره «ضرورة بقاء» لا مشروع مواجهة شاملة مع دولة عظمى.

وما يدفع مراقبين للتشكيك في رواية «أكسيوس» هو تزامنها مع تصعيد سياسي واضح من إدارة الرئيس دونالد ترامب تجاه كوبا خلال الأشهر الأخيرة. وترافق مع التهديدات حديث تقارير متعددة عن زيادة الاستطلاع العسكري الأمريكي قرب الجزيرة، وعن لهجة أمريكية غير مسبوقة تجاه القيادة الكوبية، بما فيها ملف تحقيق ضد الرئيس السابق راؤول كاسترو، بل وحتى عن تداول أفكار تتعلق بتغيير النظام.

دائرة التمهيد

وهنا يمكن وضع تقرير أكسيوس -إذا صح ربطه بمعلومات استخبارية أمريكية- في دائرة التمهيد لتنفيذ أحد السيناريوهات المعدّة مسبقاً. هذا لا يعني بالضرورة أن المعلومات الحالية مختلقة بالكامل، لكن طريقة إخراجها إعلامياً توحي بأن الإدارة تريد خلق مناخ يعتبر كوبا تهديداً وشيكاً، لا سيما أن التسريب يتحدث صراحة عن احتمال استخدام هذه المعلومات كذريعة لعمل عسكري.

أياً يكن من أمر، فإن الواقع العسكري يختلف عن الضجيج السياسي. فحتى لو امتلكت كوبا مئات أو آلاف المسيّرات، فإن موازين القوى بينها وبين الولايات المتحدة تبقى خارج منطق المقارنة، بحيث تنعدم أي مؤشرات على أن كوبا قادرة أو راغبة في خوض مواجهة مباشرة مع أمريكا، لأن أي تصعيد واسع سيكون مدمراً لها قبل غيرها.

المفارقة أن العلاقة الأمريكية الكوبية -كانت قبل الإدارة الحالية في البيت الأبيض- محكومة بهذا التناقض الغريب؛ عداء حاد، لكن مع حرص متبادل على عدم الانفجار الكامل، وحتى في أشد مراحل الحرب الباردة توتراً، كان الطرفان يدركان حدود اللعبة، فهل ما زال المنطق نفسه قائماً؟ سننتظر ونرى.