بدأ الرئيس الأمريكي دونالد ترامب تمهيد الطريق للعودة إلى دبلوماسية القمم مع الزعيم الكوري الشمالي كيم جونغ أون بخطوة عملية سبقت أي مفاوضات معلنة، تمثلت في تقليص المناورات العسكرية مع كوريا الجنوبية، أحد المطالب التي طالما رفعتها بيونغ يانغ، فيما أعلن، الأربعاء، أنه يعتزم لقاء كيم خلال العام الجاري.
لكن الإشارة الأمريكية لم تقابل حتى الآن بخطوة مماثلة من كوريا الشمالية. فقد قللت كيم يو جونغ، شقيقة الزعيم الكوري الشمالي، من أهمية تقليص التدريبات، وقالت إن السياسة الأمريكية العدائية تجاه بلادها لم تتغير، محذرة من أنه إذا كانت واشنطن تحسب أن بإمكانها تقديم ما فعلته بوصفه «بادرة حسن نية»، فإنها «لن تحصل على الرد الذي تريده».
وفي الوقت نفسه أكدت أن العلاقة الشخصية بين شقيقها وترامب لا تزال «ممتازة»، في موقف يبقي باب الحوار مفتوحاً من دون منح واشنطن استجابة سياسية مبكرة.
وتكشف التطورات المتلاحقة منذ الأحد الماضي عن محاولة من ترامب لإعادة تشكيل البيئة المحيطة بأي مفاوضات محتملة، لكنها تكشف أيضاً عن معادلة أكثر تعقيداً من تلك التي واجهها خلال ولايته الأولى:
كوريا شمالية توسعت قدراتها النووية، وحليف كوري جنوبي فوجئ بقرار يمس أحد مرتكزات الردع المشترك، وبيونغ يانغ لا تبدو مضطرة إلى التعجل في العودة إلى طاولة المفاوضات.
وقال ترامب للصحافيين في البيت الأبيض، الأربعاء، رداً على سؤال عما إذا كان سيلتقي كيم هذا العام: «نعم، سأفعل»، فيما رفض الكشف عما إذا كان يتبادل الرسائل مع الزعيم الكوري الشمالي.
وكانت «وول ستريت جورنال» قد ذكرت أن الرئيس يدفع مساعديه لترتيب لقاء ربما خلال زيارته المرتقبة إلى آسيا، وتحديداً على هامش قمة «أبيك» في مدينة شنجن الصينية في نوفمبر، مشيرة إلى أن أي تحضيرات رسمية لم تبدأ بعد.
خطوة نحو بيونغ يانغ
لم ينتظر ترامب القمة المحتملة لإرسال إشارة إلى كيم. ففي 16 أغسطس، وقبل يوم واحد من انطلاق المناورات، أمر بتقليص تدريبات «أولتشي فريدوم شيلد» المشتركة مع كوريا الجنوبية «بشكل كبير»، معتبراً أنها توجه «رسالة عدائية وغير ملائمة» إلى دولة قال إنها أظهرت له الاحترام.
وأعلنت هيئة الأركان المشتركة الكورية الجنوبية، الأربعاء 19 أغسطس، اختصار التدريبات من 11 إلى خمسة أيام، وإنهاءها الجمعة بدلاً من 27 أغسطس، إلى جانب خفض بعض التدريبات الميدانية المشتركة، مؤكدة أن التعديل جرى بناءً على اقتراح الجانب الأمريكي.
وكانت المناورات تتضمن مرحلتين، تركز الأولى على الدفاع ضد هجوم كوري شمالي محتمل، فيما كانت الثانية مقررة بين 24 و27 أغسطس وتركز على الهجوم المضاد. وقال وزير الدفاع الكوري الجنوبي آن غيو باك إن الحليفين يتجهان إلى إلغاء المرحلة الثانية.
وأكدت وزارة الدفاع الأمريكية أن التعديلات جرت «بتوجيه من الرئيس ووزير الحرب»، وأن التدريبات الحية المرتبطة بالمناورات جرى تقليصها وإلغاء بعضها أو تحويله إلى محاكاة، مشددة على أنها لن تمس أهداف الجاهزية والتدريب الأساسية.
ولا يمكن فصل القرار عن محاولة استعادة الحوار مع بيونغ يانغ، لكنه لا يرتبط بهذا الهدف وحده. فترامب ربط قراره أيضاً بكلفة المناورات، وبرفض كوريا الجنوبية الانضمام إلى الحرب الأمريكية ضد إيران.
وقدم وزير الخارجية الكوري الجنوبي تشو هيون قراءة تجمع المسارات الثلاثة، إذ قال إن رسالة ترامب تتضمن ضغطاً على حكومته في عدد من الملفات العالقة، من بينها التزام استثماري بقيمة 350 مليار دولار مرتبط بالاتفاق التجاري بين البلدين، إلى جانب رسالة إلى كوريا الشمالية، ونية أمريكية لكسر الجمود في الحرب مع إيران.
سيئول خارج القرار
المشكلة بالنسبة إلى كوريا الجنوبية لم تكن في التقليص وحده، وإنما في الطريقة التي اتُخذ بها. وقال تشو هيون أمام لجنة الشؤون الخارجية والتوحيد في الجمعية الوطنية، الأربعاء، إن حكومته لم تتلق أي إخطار مسبق، مضيفاً:
«لا حكومتنا ولا المسؤولون الأمريكيون كانوا يعرفون ما كتبه الرئيس ترامب على تروث سوشيال»، لكنه تجنب توصيف ما جرى بأنه إبلاغ أحادي الجانب، مشيراً إلى أن وزير الدفاع كان في «مشاورات وثيقة» مع الجانب الأمريكي بعد المنشور.
وكان الرئيس الكوري الجنوبي لي جاي ميونغ قد قال الثلاثاء إن مناورات «أولتشي» دفاعية، وإن سيئول لا تنوي استخدامها لمهاجمة كوريا الشمالية أو رفع منسوب التوتر في شبه الجزيرة.
وتكتسب هذه المخاوف وزناً لأن الولايات المتحدة تنشر نحو 28.5 ألف جندي في كوريا الجنوبية، فيما تمثل التدريبات المشتركة جزءاً أساسياً من استعداد البلدين لمواجهة هجوم محتمل من الشمال.
لذلك سارعت وزارة الدفاع الأمريكية إلى الفصل بين الرسالة السياسية والتأثير العسكري للقرار، مؤكدة أن التقليص لن يمس أهداف الجاهزية والتدريب الأساسية.
غير أن أثر القرار يتجاوز دورة تدريب واحدة. فمناورات هذا العام كانت مخصصة لتقييم قدرات مرتبطة بنقل سلطة العمليات في زمن الحرب إلى القيادة الكورية الجنوبية، وهو مسار مشروط بمعايير محددة. وقال تشو هيون إن على واشنطن ألا تستخدم التقليص ذريعة لمزيد من تأجيل النقل، ما دام قد جرى بناءً على طلبها.
ويضاف إلى ذلك بعد إقليمي. فقد جاء الإعلان بالتزامن مع زيارة وزير الخارجية الصيني وانغ يي إلى سيئول يومي الأربعاء والخميس لمحادثات أمنية، قال خلالها إن على واشنطن تغيير «سياستها العدائية» تجاه بيونغ يانغ، وفق ما نقلت «يونهاب».
بيونغ يانغ لا تتعجل
في الجهة المقابلة، بدت كوريا الشمالية حريصة على عدم منح خطوة ترامب قيمة تفاوضية مجانية.
وقالت كيم يو جونغ، في بيان نشرته وكالة الأنباء المركزية الكورية، إن تقليص حجم المناورات أو مدتها لا يغير طبيعتها «الاستفزازية والعدوانية»، مضيفة أن القرار «لا يستحق التعليق» وأنها «لا تبدي أي اهتمام به». وشددت على أن السياسة الأمريكية العدائية تجاه بلادها لم تتغير، محذرة واشنطن من محاولة تصوير خطوتها بوصفها بادرة حسن نية.
لكنها تجنبت إغلاق الباب أمام ترامب، وأكدت أن العلاقة بينه وبين شقيقها لا تزال «ممتازة»، مشيرة إلى أن الأخير لا يزال يحتفظ بـ«ذكريات ومشاعر طيبة» تجاه الرئيس الأمريكي.
وبدت اللهجة الكورية الشمالية أقل حدة من المعتاد، فيما تشير قوة الترسانة النووية المتنامية لبيونغ يانغ وعلاقاتها المتطورة مع روسيا إلى أن كيم يدخل أي مفاوضات محتملة من موقع مختلف عن ذلك الذي كان فيه خلال قمم 2018 و2019.
كما نفت كيم يو جونغ علمها بوجود اتصالات حالية بين الزعيمين، بعدما كان ترامب قد ألمح الاثنين إلى استجابة كيم لمحاولات التواصل، لكنها صاغت النفي بحذر، قائلة إن الأمر «ربما يكون الشيء الوحيد الذي لا أعرفه في ما يتعلق بالسياسة الخارجية لقيادتنا العليا».
«57 سلاحاً نووياً»
ويكشف تصريح آخر لترامب، الأربعاء، مقدار التغير الذي طرأ على الملف منذ قممه السابقة مع كيم، إذ قال إن كوريا الشمالية تمتلك «57 سلاحاً نووياً قوياً للغاية».
والرقم تقدير أعلنه ترامب ولم تؤكده أي جهة رسمية أمريكية. وكان معهد ستوكهولم الدولي لأبحاث السلام «سيبري» قد قدر في يونيو الماضي أن بيونغ يانغ راكمت نحو 60 رأساً نووياً، وأن لديها من المواد الانشطارية ما يكفي لثلاثين رأساً إضافياً على الأقل.
وهذه النقطة تغير طبيعة أي مفاوضات جديدة. فقمم ترامب الثلاث مع كيم خلال ولايته الأولى فتحت للمرة الأولى قناة مباشرة بين رئيس أمريكي وزعيم كوري شمالي، لكنها انتهت من دون اتفاق ينهي البرنامج النووي. وبعد سنوات من توقف ذلك المسار، توسعت قدرات بيونغ يانغ بدلاً من تجميدها.
وهكذا لا يتمثل اختبار ترامب هذه المرة في قدرته على الوصول إلى كيم، فقد فعل ذلك ثلاث مرات من قبل. الاختبار هو ما إذا كانت العلاقة الشخصية التي يراهن عليها تستطيع إنتاج ما عجزت عنه القمم السابقة، من دون إضعاف ثقة سيئول بالتحالف أو تقديم خطوات أمريكية لا تقابلها إجراءات كورية شمالية.
