جدل تاريخي.. قرار الحرب في أمريكا للرئيس أم الكونغرس؟

فيما يستعد الجيش الأمريكي لخوض صراع محتمل مع إيران قد يصوت الكونغرس الأمريكي الأسبوع ​المقبل على منع الرئيس دونالد ترامب من شن ‌هجوم على إيران ​من دون موافقة المشرعين، استمراراً لمحاولات قام بها أعضاء في الكونغرس، منهم بعض زملاء ترامب الجمهوريين، بالإضافة إلى ديمقراطيين، لتبني قرارات تمنع ترامب ⁠من تنفيذ عمل عسكري ضد حكومات أجنبية من دون موافقة المشرعين، لكنهم فشلوا في ذلك.

الدستور الأمريكي يمنح الكونغرس، وليس الرئيس، سلطة إرسال قوات أمريكية إلى الحرب، باستثناء الهجمات المحدودة التي تتعلق بالأمن القومي، لكن بما أن الجمهوريين المؤيدين لترامب يتمتعون بأغلبية ضئيلة في ‌مجلسي الشيوخ والنواب فإنهم يعرقلون القرارات بحجة أن الكونغرس لا ينبغي أن يقيد صلاحيات ‌ترامب في مجال الأمن القومي.

وتتوزع سلطات قرار الحرب في الولايات المتحدة بين فرعي السلطة التشريعية والتنفيذية وفق نظام دقيق وضع في الدستور، لمنع الاستفراد بالقرارات المصيرية، حيث يمنح الدستور الكونغرس وحده حق إعلان الحرب رسمياً، والسيطرة الكاملة على تمويل القوات المسلحة، ما يجعله صاحب الكلمة الفصل في الصراعات الطويلة وتكلفتها المادية. وفي المقابل يحدد الدستور دور الرئيس بصفته القائد الأعلى للقوات المسلحة، وهي صفة تمنحه سلطة إدارة العمليات العسكرية الميدانية، واتخاذ قرارات فورية لحماية الأمن القومي في حالات الطوارئ أو لصد هجمات مفاجئة تتعرض لها البلاد دون انتظار إذن مسبق.

التاريخ الأمريكي شهد تحولات كبرى في ممارسة هذه السلطات، فبينما كانت الحروب الكبرى مثل الحرب العالمية الثانية تبدأ بإعلان رسمي وصريح من الكونغرس بدأت الكفة تميل نحو السلطة التنفيذية خلال الحرب الباردة، وتحديداً في حرب فيتنام، التي خاضتها الولايات المتحدة لسنوات من دون إعلان حرب رسمي، ما أدى إلى صدام قانوني شهير، أسفر عن تمرير «قانون صلاحيات الحرب» عام 1973، رغم اعتراض الرئيس حينها، في محاولة من المشرعين لاستعادة زمام المبادرة، وإلزام البيت الأبيض بالتشاور معهم قبل إقحام البلاد في نزاعات طويلة الأمد.

تفويض القوة

استخدام الرؤساء لما يعرف بـ«تفويض استخدام القوة العسكرية»، بديلاً قانونياً لإعلان الحرب الشامل، وذلك على غرار تفويض عام 2001 الذي صدر عقب هجمات سبتمبر، حيث منح الرئيس جورج بوش الابن حينها صلاحيات واسعة لملاحقة المسؤولين عن الهجمات ومن آواهم.

ومع مرور الوقت تمدد هذا التفويض ليصبح أداة قانونية استخدمتها الإدارات المتعاقبة لتبرير عمليات عسكرية ضد جماعات وتنظيمات في دول لم تكن ضمن الحسابات الأصلية للمشرعين، مثل اليمن والصومال والنيجر.

وقد واجه الرؤساء الأمريكيون، في هذه الحقبة، اتهامات مستمرة بتجاوز الصلاحيات، مثلما حدث مع استخدام تفويض حرب العراق سنة 2002 لتبرير عمليات عسكرية لا علاقة لها بالهدف الأصلي للتفويض، وما حدث في التدخل العسكري في ليبيا سنة 2011، حيث جادلت إدارة باراك أوباما بأن المشاركة الأمريكية لا ترقى لمستوى «الأعمال القتالية»، التي تتطلب موافقة الكونغرس.

تكرار هذا الجدل دفع المشرعين الأمريكيين مؤخراً للمطالبة بإلغاء أو تحديث هذه التفويضات القديمة لمنع استخدامها كـ«شيك على بياض» للحروب الأبدية.

ويشكل التحرك الحالي للمشرعين بشأن إيران حلقة جديدة في هذا الجدل التاريخي، حيث يسعى أعضاء الكونغرس لقطع الطريق على أي استخدام محتمل لصلاحيات الرئيس كونه قائداً أعلى للقوات المسلحة لشن ضربات استباقية بناء على تقديرات استخباراتية منفردة.

ويرى المشرعون أن أية مواجهة عسكرية مع دولة ذات سيادة تمتلك جيشاً نظامياً تختلف جذرياً عن ملاحقة التنظيمات الإرهابية، وبالتالي تتطلب بالضرورة نقاشاً وتصويتاً علنياً في «الكابيتول هيل»، لضمان أن قرار الحرب يعبر عن إرادة الشعب، وليس مجرد توجه للإدارة التنفيذية، وذلك تجنباً لسيناريوهات استنزاف الموارد في صراعات قد تفتقر للغطاء التشريعي.