في ظل التحشيد العسكري في المنطقة لم تعد التصريحات الأمريكية تدور في دائرة الضغط الدبلوماسي، ورغم التحليلات التي تتأرجح بين من يرى الذهاب إلى الحرب حتمياً، ومن يرى أن التحشيد جزء من لعبة الضغط الدبلوماسي والنفسي، يبقى خيار سوء التقدير، الذي يقفز عن كل الحسابات، وقد يشعل الحرب في أي لحظة، وشواهد التاريخ فيها ما يؤكد ذلك.
في واشنطن ترتفع النبرة حول «منع إيران بكل الوسائل» من امتلاك قدرة نووية عسكرية، مع تلميحات متكررة إلى أن الخيار العسكري لا يزال مطروحاً، وفي إسرائيل يتكرر الحديث عن ضربة وقائية إذا اقتضت الضرورة، بما يوحي أن النقاش لم يعد نظرياً بالكامل.
في ظل هذه المشهدية جاء موقف مرشد الجمهورية في إيران علي خامنئي، ليضع معادلة واضحة، مفادها أن أي ضربة - حتى لو محدودة - ستتحول إلى حرب شاملة. أهمية هذا الحديث لا تكمن فقط في مضمونه، بل في موقع المتحدث. في النظام الإيراني كلمة المرشد ليست موقفاً سياسياً عابراً، أو عزفاً على الوتر النفسي، ولا حتى إحماء في ملعب التكتيك، إنما هو إشارة استراتيجية ذات بعد ديني–سيادي، تقرأ في الداخل والخارج بوصفها تثبيتاً لخط أحمر لا رسالة إعلامية.
وفق تقرير أكسيوس الأمريكي فإن إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب لم تتخذ بعد قراراً نهائياً بتوجيه ضربة لإيران، لكن الخيارات المطروحة تشمل حتى استهداف المرشد الأعلى وابنه مجتبى، في حين يظل ترامب منفتحاً على تسوية تفاوضية، تقضي بتخصيب نووي «رمزي» تحت شروط صارمة. ويشير مسؤولون إلى أن أي هجوم عسكري يظل مرتبطاً بسقف التوقعات المرتفع للعرض الإيراني، وأن فشل طهران في تقديم ما يعتبرونه «عرضاً لا يمكن رفضه» قد يرفع احتمالات التصعيد.
هذه المعطيات تؤكد سبب التشديد الإيراني الحالي في خطاب الردع، وهو خطاب يمزج بين رفع كلفة أي مغامرة استباقية، والحفاظ على هامش المناورة أمام التهديدات.
تغيير النظام
من منظور طهران، التهديد العسكري، حتى لو إذا قدم باعتباره «جراحياً»، لا يمكن فصله عن خطاب أوسع، يتحدث فيه بعض خصومها صراحة عن تغيير النظام، صحيح أن السياسة الرسمية الأمريكية المعلنة تتحدث في العموم عن «تغيير السلوك»، لكن وجود تيارات مؤثرة تعتبر أن المشكلة كامنة في طبيعة النظام نفسه يجعل أي ضربة محتملة قابلة لأن تفسر كونها بداية مسار يستهدف البنية السياسية لا المنشآت فقط، لذلك تسقط القيادة الإيرانية مفهوم «الضربة المحدودة» من حساباتها النظرية، وتتعامل معها كونها شرارة محتملة لحرب وجودية، لكن بطبيعة الحال فإن رفع سقف الردع لا يعني بالضرورة قراراً بالحرب الشاملة، فالتجربة الإيرانية خلال العقدين الماضيين تظهر نمطاً واضحاً قائماً على التصعيد اللفظي إلى الحد الأقصى، يعقبه رد محسوب يمنع الانزلاق إلى مواجهة مفتوحة.
هذا السلوك يعكس إدراكاً عميقاً لكلفة الحرب المباشرة، خصوصاً في ظل ضغوط اقتصادية داخلية معروفة وتعقيدات إقليمية متشابكة، غير أن الفارق اليوم يكمن في عنصر الزمن النووي.
اقتراب إيران من العتبة التقنية يزيد قلق خصومها، ويغري بعضهم بفكرة الضربة الاستباقية قبل اكتمال معادلة الردع من خلال نفخ الروح النووية فيها، وفي المقابل يدفع طهران إلى رفع كلفة أية مغامرة محتملة عبر إعلان أن الرد لن يكون موضعياً.
خطر حقيقي
وفي حالة تمديد «الزوم» قليلاً يظهر في المشهد طرف يرى أن الوقت ليس في صالحه، وآخر يرى أن أي هجوم هو محاولة لكسر توازنه الاستراتيجي، والخطر الحقيقي لا يكمن في النوايا المعلنة، بل في احتمالات سوء التقدير، لذلك فإن ضربة توصف بأنها محدودة قد تقرأ في طهران كونها بداية مشروع إسقاط النظام، وإن رداً قوياً يراد له أن يكون ردعاً قد يفسر في واشنطن تجاوزاً يستوجب تصعيداً مضاداً. في لحظة كهذه يصبح التحكم بالإيقاع أصعب من إطلاق الشرارة نفسها.
حتى الآن لا توجد مؤشرات حاسمة على قرار أمريكي بحرب تغيير نظام شاملة، كما لا توجد دلائل على استعداد إيراني لتحمل مواجهة مفتوحة قد تدمر بنيتها الاقتصادية والعسكرية، لكن ارتفاع النبرة إلى مستوى «الحرب الشاملة» يضيق هامش المناورة، ويجعل المسافة بين الردع والانفجار أقصر مما تبدو عليه.
في النهاية المسألة ليست من يهدد أكثر، بل من يستطيع أن يتراجع خطوة دون أن يخسر معادلة الردع، وفي الشرق الأوسط غالباً ما تبدأ الحروب ليس بقرار متعمد، بل بلحظة يعتقد فيها كل طرف أن الآخر لن يذهب بعيداً، ثم يكتشف العكس.