الصين التي زارها ترامب في 2017.. هل هي نفسها اليوم؟

زار الرئيس الأمريكي دونالد ترامب الصين في 2017، وها هو يزورها الآن بعد تسع سنوات، فهل سيجدها اليوم كما رآها في ذلك العام؟

في العام 2017، لم تكن ثمة حرب تجارية وتعثر لسلاسل التوريد العالمية، ولم تكن المنافسة قد تحوّلت إلى مواجهة تكنولوجية شاملة، بل صورة مختلفة جذرياً عما هي عليه اليوم. كانت زيارة ترامب تلك بمثابة مشهد من حقبة منقضية في تاريخ العلاقات الأمريكية الصينية، حقبة
في 2017، كانت بكين لا تزال تراهن على نموذج «الربح المشترك» مع واشنطن. ترامب نفسه غادر الصين آنذاك بعقود تجارية ضخمة. لكن اليوم، بعد حروب الرسوم الجمركية، وجائحة كوفيد-19 التي استُخدم فيها خطاب اللوم، وحزمة القيود غير المسبوقة على تصدير الرقائق الإلكترونية والتكنولوجيا المتطورة، وصل ترامب إلى بلد مختلف تماماً. الصين اليوم لم تعد تُدافع فقط، بل هاجمت في بعض المجالات.

وبين 2017 و2026، بذلت بكين جهوداً مضنية لعزل اقتصادها عن الصدمات الأمريكية من خلال تنويع التجارة، حيث قلصت اعتمادها على السوق الأمريكية عبر تعزيز التجارة مع الآسيان، والشرق الأوسط، وأمريكا اللاتينية، وأفريقيا. كما أن مبادرة «الحزام والطريق» توسعت كممر بديل، وازداد التبادل التجاري بالعملات المحلية (اليوان، الروبل) لتجنب سلاح الدولار.

واعتمدت بكين مبدأ الاكتفاء الاستراتيجي، إذ شجعت شركاتها بقوة على الهيمنة على المجالات الناشئة (الذكاء الاصطناعي، المركبات الكهربائية، الطاقة الشمسية، البطاريات). كما أطلقت خطة «صنع في الصين 2025» بشكل أكثر إصراراً.

على الرغم من أن الصين لا تزال متأخرة في الرقائق فائقة الدقة - كما تعترف وسائل إعلام صينية - إلا أنها حققت قفزات في الرقائق المستخدمة في السيارات والأجهزة المنزلية والدفاع، وقلصت الفجوة بوتيرة أسرع مما توقعه الخبراء الغربيون قبل خمس سنوات. وفي التقنيات الخضراء، أصبحت المنتج والمصدر الأول عالمياً لألواح الشمس، وتوربينات الرياح، والبطاريات. وهذا لم يعد مجرد صناعة محلية، بل أداة نفوذ عالمي.

وفي الأتمتة والتصنيع الذكي، استثمرت بكين بكثافة في الروبوتات والخطوط الإنتاجية المؤتمتة بالكامل، ما جعل صادراتها لا تعتمد على كثافة العمالة الرخيصة بقدر ما تعتمد على الكفاءة والسرعة.

يشير تقرير نشرته «سي إن إن» إلى حادثة قبل عام (تقريباً 2025)، حين ردت الصين على رسوم ترامب الجمركية برفع رسوم مماثلة، لكن اليوم تستخدم بكين أسلحة جديدة، إذ وصلت إلى 80% من تكرير العناصر الأرضية النادرة، ما جعلها تضغط على سلاسل توريد الدفاع والتكنولوجيا الأمريكية.

وسنّت الصين قوانين تمنحها حق التدقيق في أي استثمار أجنبي قد يهدد أمنها، رداً على اللجنة الأمريكية للاستثمار الأجنبي (CFIUS). ومع تباطؤ النمو العالمي، ركزت على خلق سوق استهلاكية داخلية ضخمة (450 مليوناً من الطبقة المتوسطة)، ما قلل من حساسيتها للمقاطعات الأمريكية.

الصين في 2017 كانت تسعى إلى أن «ينظر إليها على قدم المساواة» مع الولايات المتحدة. أما اليوم، فبكين تنظر إلى نفسها كلاعب رئيسي في نظام متعدد الأقطاب، لا مجرد ند لأمريكا. ويتجلى ذلك في توسع دورها الدبلوماسي في ملفات دولية مثل أوكرانيا والشرق الأوسط.

ساحة مختلفة

ترامب الآن في الصين وسيجد أن البلاد التي رآها في 2017 لم تكن مستعدة بعد للحرب التكنولوجية، وأقل ثقة في مواجهة التصعيد التجاري، قد باتت تمتلك اليوم أدوات قوة أكثر، وشبكة أمان اقتصادي أوسع، ورؤية أكثر وضوحاً لمستقبلها كقوة عظمى منافسة، وليس مجرد متلقية لما يمليه النظام الدولي.

لقد كانت عام 2017 قوة صاعدة تتصرف بحذر، بينما الصين اليوم قوة منافسة تتصرف بثقة، ومستعدة لمواجهة التحديات ودفع ثمن الهيمنة التقنية والاقتصادية.