الديمقراطية، لمزيد من الدقة الحكومة التمثيلية، هي طريقة مهمة لتحسين إدارة الحكم، والخدمات التي تقدمها الحكومة، والأمن، والاستقرار الوطني. ولكل الناس ماعدا أولئك الذين تم انتخابهم ويتقاضون راتبا في مقابل ذلك، فان شرعية الديمقراطية تعتمد على شيئين. الأول هو كفاءة الحكومة الفعلية، والثاني هو الدليل على أنها هي أفضل الحلول المتاحة، في وقت تظهر استطلاعات الرأي أن أهم ما يشغل الأفغان هو الأمن وليس الديمقراطية أو الفساد.
المناقشات والتقارير التي تتناول الانتخابات التشريعية الأفغانية تتجاهل هذه الحقيقة. وتتم الإشادة بالانتخابات لمجرد أنها أجريت. وقد كان هناك الكثير من المرشحين، وأدلى الكثير من الأفغان بأصواتهم برغم التهديدات الأمنية، ويبدو أن هذه الانتخابات كانت أكثر نزاهة من الانتخابات الرئاسية. لكن تتم مهاجمتها على أساس أن الكثير من مراكز الاقتراع كانت مغلقة، وأن الإقبال على الانتخابات كان منخفضا، وأنه كانت هناك بعض المشكلات الأمنية الخطيرة، أدت إلى ترويج اتهامات عدة بحدوث انتهاكات وتزوير. باختصار، تتركز الأنظار على نوعية الانتخابات، وليس على ما إذا كانت ستسفر عن نتائج إيجابية وذات معنى، على طريق تحسين إدارة الحكم وزيادة التأييد الشعبي للحكومة. ربما يكون من المبكر الحكم على هذه الانتخابات بهذه المعايير. ولكن ليس من الاستعجال القول بأن هذه المعايير لا تتعلق بطهارة الانتخابات، ولكن بمفاهيم أخرى مختلفة كليا تتعلق بالشرعية. كما أنه ليس من المبكر البدء بطرح بعض الأسئلة الصعبة عن مستقبل الحكم الأفغاني، كان يجب طرحها عند صياغة الدستور الأفغاني، وتشكيل الحكومة الجديدة.
مهام البرلمان... لا يبدو أن الذين صاغوا الدستور الأفغاني، وشكلوا الحكومة الجديدة، قصدوا حقيقة الاهتمام بنجاح البرلمان في وظيفة تشكيل نوعية إدارة الحكم الأفغاني، وهو أمر مختلف عن دوره في العملية السياسية. وحتى الآن لا يبدو أن ما يفعله البرلمان يزيد على أنه هيئة يتقاضى أعضاؤها رواتب جيدة، ويقع في مكان آمن، بما يوفر فرصة لانتشار المحسوبية، ويسيطر عليه سماسرة السلطة الأفغان. الذي ليس واضحا هو ما إذا كان له أكثر من تأثير هامشي في مسألة تحسين إدارة الحكم، في دولة تظهر دراسات القوات الدولية أن أكثر من نصف مناطقها البالغ عددها 360 منطقة تفتقر إلى أي نوع من إدارة الحكم المؤثرة. ويبدو في معظم الأحيان أن القائمين على الأمر على اختلافهم يحيلون مهام البرلمان إلى هيئات نقاش اجتماعية، ليست لها أي تأثير خارج العاصمة كابول. وعندما يمارس البرلمان عمله يكون غالبا بالتصويت ب«لا»، رغم أن ذلك لا يحدث دائما بطريقة سليمة ولا في الوقت المناسب.
وبكل صراحة فإن سمات هذا البرلمان حتى الآن لا تزيد على المهارات التي أشار إليها الكاتب الأميركي الساخر مارك توين (الذي كان يقول إن الإنسان حيوان ناطق)، فأهمية هذا البرلمان لا تنبع من فحوى ما يقول ولكن من مجرد أنه يستطيع النطق والتحدث مع الجميع. ثم يطرح السؤال نفسه: هل ستحدث هذه الانتخابات أي شيء؟ أي رد إيجابي عن هذا السؤال لن تزيد على القول، ربما.
أنجح الخيارات
قد يكون وجود هذا البرلمان الأفغاني أفضل من عدمه، لكن ذلك يمثل امتحانا أخلاقيا. فالأمر يتضمن مشكلات تتعدى مسالة أنه تم فرض هذا البرلمان على دولة تفتقر إلى الحكومة المركزية الفاعلة، وإلى هيكل إيجابي لحكومة تمثيلية محلية وإقليمية. ومثلما حدث في العراق، افترضت واشنطن بدعوتها لتشكيل البرلمان أن الأحزاب الوطنية المسؤولة ستظهر، عن طريق السحر، وتعطي العملية السياسية معنى. لكن ذلك لم يحدث.
لقد تنافس في الانتخابات الأفغانية نحو 2500 مرشح. وفي ظل غياب أحزاب سياسية مهيكلة، وانعدام الخبرة السياسية والخبرة بالحكم، أنتجت الانتخابات تسعة خاسرين مقابل كل فائز بمقعد. الخاسرون بدورهم يمثلون سماسرة سلطة متنافسين، وقبائل، وفصائل. لم يكن أي من هذه الأطراف ممتنا للحكومة قبل الانتخابات، والكثير منهم الآن غاضبون بسبب الهزيمة. الأهم أن الكثير ممن فازوا، حققوا ذلك بسبب النفوذ أو الثراء والقدرة على شراء الأصوات. وهم منشغلون الآن باسترداد ما أنفقوه. أما البعض الآخر فقد فاز بحكم القوة.
الفائزون يفتقرون أيضا إلى هيكل فعال للرقابة التشريعية، والسلطة اللازمة للسيطرة على الموازنة بشكل فعال. ربما يمكن علاج بعض هذه المشكلات من خلال إصلاحات تستهدف محاولة تحسين السيطرة على الوزارات، وتدعيم البرلمان، والحكومات المحلية والإقليمية. وللآن هناك صمت قاتل بشأن ما إذا كانت هذه الإصلاحات ستحسن إدارة الحكم.
وإذا كان هناك أي نوع من التحسن، فإن ذلك سيعود غالبا إلى الدور العسكري، وتحسن الوضع الأمني، وليس بسبب تحسن إدارة الحكم الأفغانية. وإذا أرادت واشنطن كسب الحرب فيجب تحقيق تقدم كبير في مجال الخدمات الحكومية، وسيادة القانون، وتوظيف العاطلين في مراكز الكثافة السكانية. وليس من الواضح إن كان بإمكان البرلمان الحالي إحداث أي من هذه التحسينات، ما لم يتم منحه دورا وهيكلا أفضل.
التأييد الشعبي
ربما لا يكون للانتخابات تأثير كبير على تشكيل التأييد الشعبي الأفغاني، أو العملية العسكرية برمتها. وهناك حاجة كبيرة لدراسات في هذا الصدد. كانت الانتخابات من دون أهداف سياسية واضحة، ولا برامج سياسية، وشهدت 2200 خاسر، والكثير من الذين سعوا للفوز لمصالح شخصية، واشتروا الفوز بالمال، واتهامات عدة بالتزوير، واستبعدت بدرجة كبيرة الأفغان الخاضعين لطالبان الذين عانوا بدرجة أكبر من الحرب، والذين لهم مشاكلهم الخاصة التي ستعبر عن نفسها، على المستوى المحلي، في الشهور القادمة، وتخلف ميراثا يستمر لسنوات.
وهناك مؤشرات مزعجة إلى أن الأفغان بدأوا يحيدون عن التركيز على الديمقراطية وعن تأييد البرلمان الوطني. ومن الصعب وضع هذه المؤشرات في الاعتبار، لأن التقارير والاستطلاعات الحديثة حول الرأي العام الأفغاني لم تصمم لقياس رأي الأفغان في البرلمان، كشيء منفصل عن بقية العملية الشاملة لإدارة الحكم، وفي غفلة عن تأثير سماسرة السلطة المحليين والقوميين، في تلك العملية.
الاستطلاعات تظهر أن الفساد ينظر إليه على نطاق واسع باعتباره مشكلة، على جميع المستويات، وحتى مؤسسة الرئاسة. ويدرك الأفغان أن الحكومة والشرطة الوطنية الأفغانية يمكن أن تكونا بقدر خطورة المتمردين في بعض الأحيان. وقد رأى الجميع كيف تهاوى مشروع حكومي ضد الفساد في أواخر أغسطس الماضي عندما أقال الرئيس الأفغاني حامد قرضاي، مساعد النائب العام السابق فضل أحمد فقيريار، الذي أبلغ «نيويورك تايمز» أن قرضاي والنائب العام محمد اسحاق ألوكو رفضا السماح باتخاذ الإجراءات المناسبة ضد زعماء الفساد.
وقال إنهم أحبطوا قضايا فساد تم تجهيزها ضد مسؤولين أفغان كبار حاليين وسابقين، بينهم 17 في حكومة قرضاي، وخمسة حكام إقليميين، وثلاثة سفراء، على الأقل. كما أن 22 قضية أخرى أوقفت أو تم تجاهلها من دون إبداء أي أسباب.
غير أن مخاوف الأفغان من هذه المسائل يجب أن توضع في الإطار. ولا يبدو أن الأفغان ينظرون إلى الفساد على أنه كارثة. أو أن الفساد يؤثر في توجهاتهم بشأن الحكومة أو مسار الحرب، أو التصويت في الانتخابات، أو اهتمامهم بالبرلمان. وقد أظهر استطلاع للرأي في مايو الماضي، أن 8% فقط من الأفغان يؤمنون بأن الفساد هو القضية الوحيدة التي تؤثر في إحلال الاستقرار في البلاد.
بينما يعتقد 23 % بأنه من أهم ثلاث قضايا، بينما ترتفع النسبة إلى 31% في الجنوب. وفي حين عبر 50 % عن اعتقادهم أن الأمن هو أهم قضية أفغانية، قال 75% إنها بين أهم ثلاث مخاوف يشعرون بها، في إشارة إلى اهتمام الأفغان بتحقيق الأمن أكثر من الديمقراطية.
لكن النتائج كانت مختلفة قليلا في الجنوب، الذي يشهد ضراوة الحرب، والذي تم أيضا استبعاده من الانتخابات. فقد كانت التوقعات الإيجابية للذين أدلوا بأصواتهم أقل بنسب واضحة من نظيرتها للأفغان في بقية المناطق.
هناك احتياج حقيقي لتحسين العملية الانتخابية في أفغانستان، لكن ذلك يحتاج إلى أن يتم بطريقة هادئة، ومنتظمة، وبهدف محدد هو تحسين إدارة الحكم والفوز في الحرب. ما تحتاجه أفغانستان، يتمثل في إيجاد أدوار يقوم المجلس التشريعي (البرلمان) لتحقيق الفائدة للناس.
مخاوف الديمقراطية
هناك استطلاعات تظهر استمرار تأييد الأفغان ل«الديمقراطية»، لكن أيا من هذه الاستطلاعات لا يختبر مفهوم الأفغان لهذه الكلمة، ولا ما يتوقعونه منها. كما أن منحى هذه النتائج غير مبشر على الإطلاق. ولم يركز أي منها على ما إذا كان من تم استطلاع آرائهم يشعرون بأن البرلمان، في هذا الصدد، يحقق مصالحهم. في الوقت نفسه، فإن مخاوفهم الأمنية تظهر اتجاها متصاعدا نحو البحث عن زعيم قوي، وتسوية سياسية.
وقد أظهر الاستطلاع المشار إليه سابقا نتائج مهمة للغاية في هذا الصدد، تمثل اكتشافات مهمة، وتحذيرات. فقد وجد أن هناك تأييدا قويا لقرضاي، وتفضيلا كبيرا لوجود زعيم قوي، وحكومة إسلامية، وليس للديمقراطية. كما وجد الاستطلاع نفسه تأييدا متزايدا للدخول في مفاوضات مع حركة طالبان، إذا كان ذلك سيؤدي إلى إنهاء القتال، وثقة غير متوقعة في الأمن المحلي، بشكل منفصل عن انعدام الثقة في الأمن على المستوى الوطني.
كما وجد استطلاع آخر أجري في مقاطعتي هلمند وقندهار، أن 55% من الأفغان لا يرون أهمية للديمقراطية، بينما يعتقد 40% فقط بأنها مهمة. ويمثل هذا تحذيرا من أن الانتخابات البرلمانية، التي لا تحقق نتائج واضحة تفيد الشعب الأفغاني ربما تكون انعكاساتها السلبية بقدر الإيجابية. وهذا ربما يعني أن الكثير يتوقف على نجاح الجهود الحربية وتحقيق الأمن الفاعل، والخدمات الحكومية والتنمية، أكثر مما قد يحدث داخل برلمان ليس له تأثير عملي أو محسوس على معظم الأفغان.
خبرة ممتدة
يُعد أنتوني كوردسمان نموذجًا لمفكر سياسي استراتيجي مُحنكٌ، له خبرة سياسية كبيرة أَهَّلَتْهُ لأن يكون مصدرًا معلوماتيًّا قويًّا وهو يشدد دوما على أن السياسة هي فن الممكن. ويدعو إلى التركيز على المستقبل في ضوء الحلول الواقعية التي تستند إلى الأمر الواقع كما هو.
ولد كوردسمان في شيكاغو عام 1939، وحصل على البكالوريوس من جامعة شيكاغو. ثم حصل على درجة الماجستير من كلية فيتشر للقانون والدبلوماسية، ودرجة الدكتوراه في بريطانيا من جامعة لندن وجامعة هال.
ويشغل كوردسمان مرتبة أستاذ كرسي أرليغ بورك في الشؤون الإستراتيجية بمركز الدراسات الإستراتيجية والدولية في واشنطن إلى جانب عمله محللاً عسكرياً لشبكة أخبار «إيه بي سي». وقد برزت تحليلاته إبان حرب الخليج 1990/1991، وعمليات «ثعلب الصحراء»، والصراع في البوسنة، والصومال، وكوسوفو، والحرب في أفغانستان، والحرب الأخيرة العراق.
بقلم: أنتوني كوردسمان
ترجمة: عصام بيومي


