عندما تراءى للكاتب الانجليزي جورج أورويل، في روايته «1984»، «شاشات عن بعد»، ذلك التلفزيون الذي يبقي أجهزة مراقبة على مشاهديه باستمرار، تنبأ بأن الحكومات سوف تستخدم هذه التكنولوجيا للدخول إلى حياتنا الخصوصية.

وكانت الوثائق السرية التي نشرها موقع «ويكيليكس»، أخيراً، ترمي إلى إظهار أن وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية قد اخترعت «الشاشة عن بعد» الخاصة بها للقرن 21 من خلال اختراق أجهزة التلفزيونات الذكية.

وقد استخدم المطورون نقاط الضعف في تلفزيونات «سامسونغ» للتأكد من قدرة المنتجات على التقاط الأحاديث، حتى عندما تبدو أنها مطفأة ومفصولة عن التيار الكهربائي. ويبدو أن وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية كانت حريصة على استغلال فرص التجسس الجديدة التي أوجدتها «إنترنت الأشياء»، تلك الأغراض اليومية في حياتنا الموصولة بشبكة الإنترنت.

وتقدر مؤسسة أبحاث السوق «غارتنر» أن يكون هناك أكثر من 20 مليارا من الأجهزة المنزلية، والتلفزيونات، وغيرها موصولة بالشبكة بحلول 2020.

قدرة

وكان على فريق التطوير الهندسي في وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية إعداد لائحة «بالأشياء التي ينبغي تنفيذها» لأجهزة التلفزيونات الذكية، حيث تضمنت القدرة على تسجيل أشرطة فيديو واختراق المتصفح والتطبيقات. وتظهر وثائق أخرى، استكشاف إمكانية نصب برامج ضارة في أنظمة السيطرة المستخدمة من قبل السيارات المتصلة بالشبكة.

يقول الرائد في مكافحة الفيروسات والرئيس التنفيذي لشركة «إم جي تي كابيتال انفستمنتس»، جون ماكفي: «هذه التسريبات لويكيليكس هي الأكثر إثارة للقلق على الإطلاق. أصبحنا نعلم أن وكالة الاستخبارات المركزية لديها كل الأدوات للتجسس على المواطنين الأميركيين، والآن تلك باتت في أيدي قراصنة غير معروفين او إحدى الدول».

وكانت نقاط الضعف الأساسية الكامنة في «إنترنت الأشياء»، وهي من أكبر المفاهيم التي جرى السعي وراءها في صناعة التكنولوجيا، معروفة منذ بعض الوقت.

وقد سلط الباحثون في مجال الأمن السيبراني الضوء على الثغرات في كل شيء من السيارات إلى الكاميرات، ومن الروبوتات إلى الثلاجات. وتم الكشف أخيرا عن تسريب محادثات على الإنترنت أجراها أطفال مع دببة دمى موصولة بـ«واي فاي» لشركة صناعة ألعاب. وأصبح رجال الأمن مهتمين.باستخدام الصوت الذي يتم تجميعه على جهاز مثل «ألكسا» لشركة أمازون.

استهداف

ويستهدف أيضا مجرمو الإنترنت «إنترنت الأشياء»، ويضعون في الأنظمة برامج ضارة مطالبين بفدية. وقد استهدف القراصنة مرارا فندقاً في جبال الألب النمساوية مهاجمين نظام بطاقة المفاتيح الإلكترونية. وتعرض تلفزيون ذكي لإحدى الأسر الأميركية لبرنامج ضار مما أدى إلى تعطيله أربعة أيام. وتخاطر نقاط الضعف في تلك الأجهزة الموصولة بزعزعة استقرار الشبكة برمتها.

وقد سُخرت شبكة ضارة تعرف باسم «بوتنت»، وهي مؤلفة من عشرات ملايين الكاميرات ومسجلات الفيديو الرقمية الموصولة بالإنترنت، للهجوم على مزود خدمات اسم النطاق «دين» الذي تستخدمه مواقع من صحيفة «نيويورك تايمز» إلى «تويتر». ولم يتمكن الملايين في الولايات المتحدة من الوصول إلى خدمات«سبوتيفاي»، و«ايربنب» وغيرها.

يفيد رئيس قسم التكنولوجيا في شركة الأمن السيبراني «أوآكتيف»، سيزار شيرودو، أن القراصنة المتسللين، بدءا من وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية إلى المجرمين السيبرانيين الأقل تطوراً سوف يستثمرون مبالغ أكبر للعثور على نقاط الضعف في «إنترنت الأشياء».

ولا يظهر الحماس لربط كل شيء بالإنترنت أي علامة على تراجع: فهناك غلاية تبعث برسائل بدلا من أن تطلق صفيراً، وطنجرة أرز يتحكم بها هاتف ذكي، وأحذية موصولة بتطبيق خرائط تهتز لحضك للتحرك نحو وجهتك.

لكن الأمن السيبراني هُمش في هذه الاندفاعة. وفي أغلب الأحيان فإن الدفاعات الأمنية تكون متأخرة لعقود، هذه إن كانت موجودة في الأصل. ويفتقر العديد منها إلى كلمة السر، او تكون بكلمة سر افتراضية لا يمكن تغييرها.

أما الإشارات التي ترسلها الأجهزة للاتصال بالخادم فإنها بالكاد تكون مشفرة في معظم الأحيان. يحذر ميكو هيبونن رئيس قسم البحوث في «إف-سكيور»، وهي شركة أمن سيبراني في فنلندا من أن التراخي الأمني داخل «إنترنت الأشياء» يعد خطراً واضحاً وقائماً على شبكة الإنترنت.

لكن الصناعة الناشئة مجزأة، فيما لم تلحق التدابير المنظمة بركب التحولات، والمستهلكون غير مبالين أو يصارعون للحكم على مدى أمن المنتجات. يفيد مدير الأبحاث في «غارتنر»، إريك اهلم، أنه ليس للشركات المصنعة حوافز لإنفاق الوقت والمال على الأمن، وسيكون الأمر غرامة على مصنعي تلك الأجهزة الاستهلاكية الذكية أن يقوموا بهذه الخطوة الإضافية.

وحتى لو أراد المستهلكون ذلك، لا يمكنهم شراء حماية إضافية لأن الأجهزة تعمل بكمبيوترات صغيرة الحجم لا يمكن لصانعي البرمجيات الأمنية النفاذ إليها، كتلك الموجودة في أساور اللياقة البدنية او المكانس الكهربائية.

يقول بيدرو ابريو، المسؤول الاستراتيجي في شركة «فور سكوت» التي تساعد الشركات في إبقاء أجهزتها منفصلة عن شبكة الشركة الرئيسية، إن الفكرة تقضي بمنع وقوع هجمات تشبه اختراق البيانات لمتجر التجزئة الأميركي «تارغت» عام 2013، عندما قام القراصنة بدخول النظام من خلال مزود للمكيفات.

والتفكير الوهمي هو الاعتقاد بأن الشركات المصنعة ستتمكن من حل المشكلة الأمنية، لكن ابريو يشير إلى صناعة كبرى قائمة عن حماية الهواتف الذكية وأجهزة الكمبيوتر، تم تكوينها من قبل شركات أكثر تطورا من تلك التي تخترع أجهزة «إنترنت الأشياء».

وأخيراً، بوشر التقدم في معالجة العيوب الخطيرة في أمن الأجهزة. «فيزيو» الشركة المصنعة لأجهزة التلفزيون الذكية، دفعت 2.2 مليون دولار أخيرا كتسوية لقضية مع لجنة التجارة الفيدرالية الأميركية ومدعي عام نيوجرسي، بعد أن تم ضبطها وهي تجمع بيانات المشاهدين وتبيع المعلومات إلى شركات إعلانات من دون إذن منهم.

تقول مفوضة لجنة التجارة الفيدرالية تيريل سويني إنها تؤيد تشريعا شاملا لأمن البيانات من شأنه السماح «بمقاربة تنظيمية» للقطاع كله. وهناك مبادرات من واضعي الأنظمة الأميركيين والمفوضية الأوروبية ومبادرات خاصة.

وقد يتمكن المستهلكون من تأمين حماية أفضل من القراصنة الذين يطالبون بالفدية، لكن مصنعي الأجهزة المتصلة بالإنترنت قد لا يتفوقون على وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية. يقول نائب مدير مبادرة الكفاءة السياسية السيبرانية في اتلانتيك كونسيل، بو وودز: «نصيحتي للأشخاص المتخوفين هي أن يحدّثوا كل شيء، وأن يفصلوا الأجهزة بنزع القابس الكهربائي عندما لا تكون في الاستخدام، إذا كانوا لا يريدون أن تكون لدى الوكالة القدرة على المراقبة».

إنترنت الأشياء

يُقصد به الجيل الجديد من الإنترنت (الشبكة) الذي يتيح التفاهم بين الأجهزة المترابطة مع بعضها (عبر بروتوكول الإنترنت). وتشمل الأجهزة ومجسات الاستشعار وأدوات الذكاء الاصطناعي المختلفة وغيرها. وتستخدم في شتى الحقول العلمية والتجارية والإعلامية وغيرها، وقد وصف هذا المصطلح بيتر لويس عام 1995 بأنه دمج للناس والعمليات والتكنولوجيا بأجهزة ومجسات استشعار لتمكن من الرصد عن بعد، والتعرف على المكان، والتلاعب، وتقييم الاتجاهات.

روبرت هاناغان - مدير وكالة استخبارات الاتصالات البريطانية السابق

ما زال ينظر إلى الأمن السيبراني كمشكلة تخص خبراء التكنولوجيا أو كلفة لا يمكن تفاديها. المفتاح هو في رؤية الموضوع كمشكلة بيانات وليست تقنية معلومات. من الرعاية الصحية إلى السفر والتعليم والغذاء، وكل قطاع يعتمد بكثافة على البيانات سوف يبدأ في مواجهة مشكلات كالخدمات المالية.

بي دبليو سينغر - الخبير الاستراتيجي في نيو أميركا

قد لا تكون الشركات تأخذ الأمن السيبراني على محمل الجد كما ينبغي، لكن هناك صناعات معينة حققت نجاحات لأن الحوافز لديها لتحقيق الأمن السيبراني حقيقة ضاغطة.. لنفكر على سبيل المثال بصناعة المصارف.

الهجمات الإلكترونية

يوضح الخبير الاستراتيجي، بيتر سينغر: «عندما نفكر بهجمات سيبرانية، نفكر بالقرصنة، وأساساً في فضاء سرقة المعلومات من أرقام البطاقات الائتمانية إلى البريد الالكتروني»، لكن ينبغي التمييز بين الهجمات الإلكترونية، ورسم خطوط واضحة تفصل القرصنة والجريمة والإرهاب والحرب السيبرانية الشاملة.

فقد شاهد العالم سرقة البيانات مثل المزاعم بأن روسيا وراء ذاكرة التخزين المؤقت للبريد الإلكتروني المسرب للحزب الديمقراطي الذي نشره ويكليلكس. وشاهد الجريمة وأبرزها هجمات برامج الفدية على المستشفيات، ونرى أهداف محتملة لهذه الهجمات تزداد مع دخول مزيد من الأجهزة على الإنترنت دون كثير اعتبار للأمن.

وشاهد العالم حالة «عن قرصنة شبكة كهربائية» عندما راقب عاملون إغلاق متسللين مراكز توزيع الطاقة الكهربائية في أوكرانيا، دون أن يتمكنوا من التدخل. ما لم نتمكن من مشاهدته بعد هي حرب سيبرانية شاملة، يقول سينغر. بل هجمات أكثر سرية.

جيمس كلابر - مدير الاستخبارات الأميركية السابق

في المستقبل، قد تستخدم أجهزة الاستخبارات «إنترنت الأشياء» من أجل تحديد ومراقبة ورصد وتتبع بعض المواقع والاستهداف في سبيل التجنيد، او للوصول إلى شبكات أو أوراق اعتماد المستخدمين (فبراير 2016).