بعد ست سنوات من أحداث 11 سبتمبر 2001، مازالت الشكوك تحيط بهذا الحدث المفصلي الذي غير تاريخ العالم في بداية الألفية الثالثة. بالنسبة لي كنت منذ البداية من أولئك المشككين بقوة في السيناريو الذي راج لهذا الحدث الكبير. فالرواية الرسمية للتفجيرات لا تقف على قدمين ومازالت تحتاج الكثير من الجهد لتسويقها أمام تزايد الشكوك وتصاعدها حولها يوما بعد آخر.

واذا كانت الحقيقة او بعضها سيبقى رهنا بالتاريخ، فان أكثر ما يثير سخريتي هو ذلك الاندفاع المغلف بالكثير من السذاجة من قبل الكثيرين لتصوير الأمر باعتباره محض هجوم يمكن ان يقوم به حفنة من المتعصبين المدفوعين بحماسة دينية.

ذلك ان هذا التفسير الساذج لا يرى في السياسة عموما وفي مقدمات هذا الحدث وتبعاته أكثر من فعل ورد فعل وكأن السياسة والحروب والسيطرة على الأسواق والثروات لا تجري الا وفق منطق الفعل ورد الفعل المباشر. ليست هناك سذاجة أكثر من هذه للتعامل مع حدث سيقدر له لاحقا ان يدشن سلسلة من الأحداث الكبرى التي تهدف الى تغيير خرائط العالم عبر جراحات قسرية وحروب وتغييرات كبيرة في أسس العلاقات الدولية.

الدخول في تفاصيل التحقيق البوليسي في التفاصيل أمر بات متوفرا، وثمة الكثير من نتائج هذا الجهد حتى في الولايات المتحدة نفسها، لكن الاستدلال العقلي ورصد التبعات الكبرى التي ترتبت على تفجيرات 11 سبتمبر من زاوية تاريخية هي المدخل المناسب من وجهة نظري للتعامل مع أحداث 11 سبتمبر ووضعها في إطارها المناسب دون تهويل ودون تهوين أيضا.

تاريخيا، ليس لأحداث 11 سبتمبر من مثيل في التاريخ الأميركي سوى حدث واحد مماثل هو الهجوم الياباني على ميناء بيرل هاربر في 7 ديسمبر 1941. هناك قواسم مشتركة تفوت الكثيرين بين الحدثين، الأول هو ان كلا الاعتداءين تم على ارض أميركية كما ان الضحايا في كلا الحدثين كانوا بالآلاف. في بيرل هاربر قتل 2403 جنديا أميركيا و68 مدنيا وأغرقت 19 سفينة وبارجة حربية وتم تدمير 188 طائرة. وفي 11 سبتمبر قتل حوالي 3 آلاف شخص من الأميركيين والجنسيات الأخرى وقدرت الخسائر بالمليارات.

كانت النتيجة المباشرة للهجوم على بيرل هاربر هي دخول الولايات المتحدة الحرب العالمية الثانية التي آذن انتهاؤها بتكريس الولايات المتحدة قوة عالمية عظمى. اما احداث 11 سبتمبر، فقد دشنت ما أسمته الإدارة الأميركية «الحرب العالمية على الإرهاب» التي بدأت عمليا بحربين في أفغانستان في الشهر التالي أكتوبر 2001 وبعد نحو عامين على العراق في 2003.

هناك قاسم مشترك ثالث لا يتردد كثيرا في النقاشات. لقد انشغل المؤرخون الأميركيون منذ عقود وحتى اليوم بمحاولة الإجابة على سؤال مقلق: هل كان الرئيس الأميركي فرانكلين روزفلت على علم بنية الهجوم الياباني أم لا؟ السؤال نفسه مطروح بشدة لا حول الرئيس جورج دبليو بوش بل حول إدارة بأكملها وما اذا كان ارتكانها الأساسيين على علم بالهجوم ام لا؟.

لقد كتبت حول هذا التشابه الكبير بين بيرل هاربر و11 سبتمبر منذ الأسابيع الأولى للاعتداءات، فرد الفعل الأميركي تجاه هذه الاعتداءات بدا اكثر من جهد فرضته تدابير سريعة لمواجهة كارثة. فما ترتب على الاعتداءات كان تغييرا كبيرا في الاستراتيجية الأميركية وهذا التغيير لا يمكن الا ان يكون مستندا الى رؤية خضعت للبحث والنقاش الطويل قبل المباشرة في تطبيقها.

في ذلك الوقت لم يكن أمامنا سوى الاستدلال، لكن تقرير «إعادة بناء دفاعات أميركا» الذي ظهر في سبتمبر 2000 قبل استلام إدارة بوش للحكم واعدته مجموعة فكرية تعمل في مشروع القرن الأميركي الجديد يذكر ان «عملية التغيير المطلوبة ستكون بطيئة جدا بغياب أحداث كارثية جوهرية بحجم كارثة بيرل هاربر».

(يمكن قراءة التقرير عبر الرابط:

http://www.newamericancentury.org/RebuildingAmericasDefenses.pdf). اللافت للنظر ان من بين ابرز المساهمين في هذا التقرير ديك تشيني نائب الرئيس ووزير الدفاع السابق دونالد رامسفيلد وجيب بوش حاكم ولاية فلوريدا وشقيق الرئيس وبول ولفووتز أحد المساعدين الأساسيين لدونالد رامسفيلد.

لقد قوبلت فرضيات مثل هذه بالاستنكار الشديد لدى كل أولئك الذين ركنوا للتفسير الأهون لحدث مثل 11 سبتمبر، لكن التساؤلات عن السبب الذي تحتاج فيه أميركا الى كارثة لكي تدشن سياسات جديدة كامن في التاريخ الأميركي نفسه.

فالولايات المتحدة حتى اليوم مازالت أسيرة معادلة حكمتها منذ تأسيسها هي معادلة العزلة والتدخل الخارجي. لقد ظلت سياسات العزلة قائمة وفاعلة حتى بداية الحرب العالمية الثانية ولم تطح بها سوى كارثة بيرل هاربر، لكن التدخل وشن الحروب وإرسال الجنود الأميركيين خارج الحدود ظل أسيرا لتأثيرات مدرسة العزلة القديمة، وفي جزأها الأهم، فان صانع القرار الأميركي يحتاج دوما لحجج قوية لإقناع الأميركيين بضرورة التدخل وشن الحروب خارج الحدود.

الخلاصة ان 11 سبتمبر يجب ان تتم قراءتها بالاستدلال العقلي من زاوية تأثيراتها وتداعياتها اللاحقة المستمرة حتى اليوم. ان هجاء نظرية المؤامرة من قبل البعض يبدو مضحكا للغاية وفيه الكثير من السذاجة اذ يتعامل مع الاستراتيجيات والسياسات وكأنها تسير بشفافية وسوية ويتعامل مع الحروب وكأنها مشاجرة ومحض رد فعل.

ان كان الأمر كذلك، كان يتعين علينا التغاضي عن حقائق لا اول لها ولا اخر حول العراق والقبول بتلك الحجج حول علاقة النظام العراقي السابق بتنظيم القاعدة وامتلاكه أسلحة دمار شامل تهدد الولايات المتحدة باعتبارها مسلمات اضطر جورج دبليو بوش فيما بعد للاعتراف بانها لم تثبت ابدا.

كاتب بحريني