سال لعاب الذين يشتمون من بعيد رائحة الدولارات واليورو، خاصة وان ملايين الملايين سوف تتقاطر على إعادة أعمار غزة مثلما تقاطر وتناثر الدم الفلسطيني في غزة وصارت رائحته تغطي أرجاء الأرض والفضاء!!.

ولكن الرائحة الجديدة القادمة من وراء الحدود تجعل من شريحة معينة هم شريحة المتلاعبين التي تنتعش في لعبة الغش وتسريب العملات في الحقائب الرسمية لوفد ذهب للتفاوض من اجل قضية سامية لشعب ذبح لمدة ثلاثة أسابيع على مرمى العالم، بالإضافة للذبح البطيء الذي كان يموت من جرائه شعب غزة داخل القطاع من خلال الحصار المميت والتلاعب على مصير مليون ونصف المليون كانوا يخضعون لكل أشكال التجويع والتقتيل المنظور وغير المنظور.

وفي الوقت الذي قدم فيه المعنيون بقضايا حقوق الإنسان في القطاع ومعهم المنظمات الحقوقية أرقام وإحصائيات تهز الضمير ويرعش لها القلب والجسد، كان في هذا الوقت وجوه داخلية وخارجية تعمل في النهش والتمزيق لضحية سقطت شبه ميتة قبل ابتداء الغزو.

هذا المشهد الدراماتيكي لواقع إنساني حقيقي دون الحاجة لأي شهادات «مكتوبة ومختومة» بختم الأمم المتحدة وجنيف، فان الطفل الفلسطيني والمرأة الفلسطينية والشيخ العجوز الذي اخذ يستصرخ العالم بفزع مقهور، في مثل هذا الظرف فقد أولائك المتلاعبون حسهم الإنساني بحيث يواصلون بسكاكينهم تقسيم جسد الضحية إلى نصفين، النصف الأول أصحاب شهوة خفية لدى الفاسدين في الجانب المتلفع والمختفي وراء مقاولين يتظاهرون كذبا وبهتانا بأنهم مؤيدون لحماس أو فتح، مقاولين تطوعوا بارتداء قناع المؤيدين لحماس والمتلفعين برداء الإسلام، ففي مثل هذه اللحظة المتميزة علمّنا التاريخ ودروسه الثابتة أن يخرج لنا من بين صفوف الشعب مقاولو الحرب وأمراءها، وهم عادة ما يزايدون بحماسهم للثورة والجهاد ورفع شعارات الدفاع عن مصالح الشعب.

هؤلاء المتلاعبون هم دوما تجار الحرب المغتسلون بماء الطهرانية من هنا وهناك، هم أنفسهم من يوزعون لحم الذبيحة ودمها على الضحايا يوم العيد، ففي نزوة النصر ولحظته الكاذبة يعرفون كيف تتم تقسيم الفدية حسب عدد القبائل والفصائل وحملة الرشاشات والأقلام وأجهزة التصنت على عباد الله. من تابع منا الحرب الإعلامية والأخلاقية والعسكرية في حرب غزة، يكتشف كم كان الجسد الفلسطيني في القطاع ورام الله مجرد دمية صغيرة للبيع في سوق النخاسة، بل ولم يكن الطفل إلا مادة خصبة لاستدرار عاطفة الأقرباء والبعاد، ولكن عندما تهدأ العاصفة يتم توزيعها حسب الانتماءات لكي توزع العطاءات بعدها حسب القبيلة وفصيلة الدم.

في مناخ من هذا القبيل يسقط قناع الزيف الذي حمله محبو الشعب والمدافعين عن كرامته، فعند تساقط الأوراق الصفراء من سماء ممطرة على قطاع اختلط فيه الدم والطين، يتصيد في عز النهار لصوص اللحظة والفرص الذهبية طرائدهم، فهناك المانحون الذين سيحملون حقائبهم من كل حدب وصوب، وعلى من خبروا تاريخ لعبة «العمولة والفساد المستبطن والملتوي والملتف» أن لا يجعلوا من تلك اللحظة تفوتهم وهم نيام فهناك طابور ينتظر حصته من حجم كعكة كبيرة.

وأبسط لعبة يجيدونها هي كلمة التوصية وتذكير أبناء العمومة بعبارة «لا تنسونا» ومثلما من يجيدون إيصال ورقة سهلة المعنى فان من معهم تلك الأوراق من العلاقات العامة في هرم السلطة ابتداء من قمته حتى بلوغ تلك القاعدة الصغيرة القادرة على منح مثل هؤلاء الفقراء في قطاع التموين وتزويد المقاولين الصغار بحفنة من البيوت التي على اقل تقدير بحاجة إلى الصيانة وإعادة إزالة الأبنية المهدمة في مدينة مدمرة.

ومن يجيدون التلاعب فان سعر كل شيء سيصبح عشرة أضعافه لكي يحصل حفنة المتآمرين على دم الأطفال ويمتصونه مرة أخرى من خلال رائحة الدولارات التي ستظهر ملامحها ومواصفاتها في تلك الفيلل وسيارات المرسيدس الجديدة، إذ كل هذه العطايا من نعم الله على من «نزف عرقا كما نزف الأطفال دما».

من تابع منا الإعلام اللا أخلاقي المضاد بين قوتين كانتا تتحكمان في أعناق القطاع وتمزق جسده وشرايينه أثناء الحرب والسلم، ها هي تعود بعد الهدوء النسبي تستعد لإعادة الأعمار وإعادة تسنين الأظافر والأنياب لكي تكون حادة مرة أخرى ومن اجل حماية كيف يتم توزيع عطاء المانحين!!

لا اعرف مدى مصداقية الخبر الذي نشرته وكالة الأنباء البريطانية (البي بي سي) عن ضبط موظفو الجمارك وفد حماس العائد من مصر عند نقطة التفتيش في معبر رفح، حقائب تمتلئ بكنوز قارون، وهي تفوق قدرتنا على عدها بجهاز عادي؟

فهي ملايين قليلة تزيد على أصابع اليد وتم تحويلها إلى حساب السلطة الفلسطينية الرسمية في رام الله، وبعدها سمح لأحد وفود حماس بالعبور.

وحفاظا على الاسم والسمعة تم التكتم على تفاصيل الخبر، إذ كان شعار «عفا الله عما سلف» فمن الأفضل في مثل هذه الظروف الحرجة والتي ما زال دم الأطفال طريا، أن تطوى الحكاية بالرغم من أنها صالحة في الغرب لمادة إعلامية دسمة وحكاية سينمائية خلاقة!!.

ولكننا لا ينبغي كأصحاب أقلام تتابع ما هو أخلاقي في قضية وساحة جهادية تتحدث عن النزاهة والشفافية فكيف يتم ذلك في ارض الكنانة؟!، لا نحتاج لمزيد من الذكاء والفطنة، فاختيار احد وفود حماس من بين زملائه يدلل على مدى الرصد الأمني لكل ما دار ويدور لديها، بل ومن هي الجهة التي قدمت هذا المبلغ السخي بالملايين لوفد حماس؟!

لكي يقوم بتوزيعه على أنصاره حسب الولاءات فمن كان من قبيلتنا منحناه من بيت المال ولا يهم هذا الدم المراق. بل ومن خلال هذا المال يتم شراء التأييد والمناصرة للحكومة المقالة، فلماذا هذا السلوك الفئوي الفصائلي لقضية شعب لم تكن قنابل الذبح تميزه من السماء؟

لقد بات شعب غزة موزع بين قبيلتين، يتقاسم أهل داحس والغبراء على دمهم عمرا طويلا، وبعد نزيف طويل يكتشفون المأساة، مأساة الدم ومأساة الحماقة والمكابرة بدم من نزفوا طويلا وكانت فصولها الأخيرة في غزة، ولعلها تكون الأخيرة، فقد أنستنا خيولنا وسباقاتنا الداخلية والعربية مكر الأعداء. ولكننا لحظة توزيع المال للأعمار سمينا شعب غزة «شعب مسكييييييين» سامحك الله يا أيها الزعيم.

كاتب بحريني

baderabdulmalek@yahoo.com