في كتابه «فلسفة الثورة» الذي طرح فيه رؤيته للعالم، وما يرى أن تكون عليه مكانة العرب، قال الزعيم الراحل جمال عبد الناصر: إنه اكتشف أن هناك دوراً ليس له صاحب. وما لبث عبد الناصر أن تولى ببصيرته النافذة التي كانت تخترق الحجب، هذا الدور بنفسه فقاد الأمة إلى طريق المجد حتى صارت لها مكانة مرموقة في الساحة الدولية. كان ذلك عالم الخمسينات والستينات.

والآن وبعد مضي ما يقارب أربعة عقود زمنية على رحيل ناصر، فإنه تلوح على الأفق القريب ملامح دور جديد متاح للأمة العربية. وهي ملامح من الوضوح بحيث لا نحتاج لبصيرة ناصرية نافذة لاكتشافها. هناك متغيرات درامية متلاحقة ومتعددة تجري من حول الوطن العربي، بما ينبئ عن انحسار للنفوذ الدولي الأميركي وعزلة دولية لإسرائيل يتسع نطاقها يوما بعد يوم، مع صعود متسارع لقوى جديدة يؤدي إلى تبلور عالم جديد متعدد الأقطاب. والسؤال الذي يطرح هو: هل تنتبه القيادات العربية إلى هذه المتغيرات؟

وإذا انتبهت فعلا فهل تتوفر لديها رؤية وإرادة للتفاعل مع هذه المتغيرات، بهدف استثمارها بما يؤدي إلى تبلور قوة إقليمية عربية موحدة تستطيع أن تفرض نفسها على الساحة الدولية؟ أحدث التطورات ذات الدلالة في هذا السياق، ما عكسته الملابسات الدولية التي ترافقت مع تقرير القاضي ريتشارد غولدستون، الذي يسجل ضد إسرائيل اتهامات موثقة بارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية في حق الشعب الفلسطيني في قطاع غزة.

والدلالة لا تتمثل فقط في المصادقة على التقرير في مجلس حقوق الإنسان في جنيف بأغلبية أصوات الدول الأعضاء، وإنما أيضا في نوعية التصويت. فقد تمردت قوتان دوليتان على الضغوط الأميركية والإسرائيلية المشتركة. روسيا صوتت لصالح التقرير. وبريطانيا، الشريك الاستراتيجي الأعظم للولايات المتحدة، نأت بنفسها عن أميركا وإسرائيل بالامتناع عن التصويت، علما بأن كلتا القوتين ـ روسيا وبريطانيا ـ عضوان في «اللجنة الرباعية الدولية» التي لم يعرف عنها سوى التحيز لإسرائيل ضد الفلسطينيين.

غير أن المغزى الأكثر إدهاشا هو الهوية الرسمية والشخصية للقاضي غولدستون. فهو أولا، موظف أممي ترأس لجنة تحقيق تابعة لهيئة الأمم المتحدة.. وهو ثانيا، مواطن ينتمي إلى الأقلية البيضاء في جمهورية جنوب إفريقيا.. وهو ثالثا، يهودي. وأوراق الاعتماد هذه هي التي أفزعت القادة الإسرائيليين، إذ لا يتوافر أي مطعن للتشكيك في ذمة هذا القاضي الدولي. والأمر كذلك، فإن على القيادات والنخب العربية أن تبحث وتجد في البحث، عما إذا كانت منظمة الأمم المتحدة أخذت في التمرد على النفوذ الأميركي.