يناقش الاقتصادي الأميركي جوزيف ستيغليتز، 63 عاماً، الحائز على جائزة نوبل التكلفة الحقيقية لحرب العراق والمقدرة بأكثر من تريليون دولار، متطرقاً إلى تأثيرها على سوق النفط ، وفيما يلي نص الحوار كاملاً..
* بروفيسور ستيغليتز، في بداية حرب العراق كانت الإدارة الأميركية تأمل بأن تغطي الحرب نفقاتها بنفسها..
ـ نعم لقد ظنوا بأن الشعب العراقي يمكن أن يستخدم عائداته من النفط لتمويل إعادة الإعمار.
* والآن تشير تقديراتك بأن تكلفة الحرب ستتراوح بين تريليون وتريليوني دولار. كيف تفسّر هذا الاختلاف؟
ـ أولاً، لقد كانت الحرب أصعب بكثير مما توقعه الرئيس بوش وحكومته.
كانوا يظنون انهم سيدخلون العراق وسط ترحيب وثناء من الجميع ليقوموا بعد ذلك بتأسيس حكومة ديمقراطية قبل أن يرحلوا. لكن الحرب دامت أطول من ذلك بكثير ومازالت مستمرة.
ولذلك كان عليهم تكييف ميزانيتهم باستمرار. حيث ارتفعت الميزانية من 50 إلى 250 مليار .واليوم يتحدث مكتب الميزانية في الكونغرس عن 500 مليار أو أكثر لتغطية تكاليف هذه الحرب.
* هل أخطأ بوش في الحساب، أم انه كان يضلل الشعب حول تكاليف الحرب؟
ـ كلاهما باعتقادي. لقد أراد أن يصدّق أن الحرب لن تكون مكلفة، وأراد أن يصدق انها ستكون سهلة. لكن هناك الآن أيضاً أدلة دامغة على أن أقنية المعلومات الواردة إلى البيت الأبيض كانت مشوّهة. كان بوش يريد فقط معلومات محددة، والبقية قدموا له هذه المعلومات فقط.
لاري ليندساي، كبير المستشارين الاقتصاديين السابق في البيت الأبيض، قدر في 2002 تكلفة الحرب بحوالي 200 مليار دولار. واعتقد ان هذا كان الرقم الأكثر دقة في حينها، لكنه صرف من الخدمة، لأنهم لم يكونوا يريدون سماع الحقيقة.
* كيف قمت بحساب تكاليف الحرب؟
ـ ان الأرقام الرسمية للتكاليف ليست سوى قمة جبل الجليد. وعلى سبيل المثال فإن من بين تكاليف الحرب التي يتم تجاهلها ان الجنود الآن يتعرضون لإصابات خطيرة ويبقون على قيد الحياة. ويمكننا ابقاؤهم على قيد الحياة، لكن بتكلفة هائلة.
* هل هذا أكبر بند في عملياتك الحسابية؟
ـ انه بند مهم جداً. لقد بذلت إدارة بوش ولا تزال تبذل قصارى جهدها لإخفاء حقيقة الأعداد الكبيرة من الجنود الذين يعودون إلى الوطن بإصابات خطيرة والذين وصل عددهم إلى الآن إلى 17 ألفاً من بينهم حوالي 20 بالمئة يعانون من تلف دماغي وإصابات خطيرة في الرأس.
وحتى التقديرات التي تحدثت عن رقم 500 مليار دولار تتجاهل تعويضات الإعاقات المستديمة وتكاليف الرعاية الصحية التي سيتعين على دفاعي الضرائب إنفاقها لسنوات طويلة مقبلة . هذا علماً بأن هذه الإدارة ليست سخية مع المحاربين القدامى وعائلات الجنود الذين يقتلون في الحرب.
* ماذا يعني هذا؟
ـ إذا تعرضت لإصابة في حادث مروري ورفعت قضية على السائق، فإنك تحصل على تعويض أكبر بكثير مما تحصل عليه إذا أصبت بينما كنت تقاتل في سبيل وطنك. ثمة ازدواج في المعايير هنا.
إذا خاطرت بحياتك وأنت تقاتل من أجل بلدك، تحصل على القليل. لكن إذا أصبت وأنت تقطع الشارع، فسوف تحصل على تعويض أكبر بكثير. عما ان التعويض الممنوح لذوي الجندي الذي يقتل في الحرب 500 ألف دولار.
وهذا أقل بكثير من التقديرات القياسية للتكلفة الاقتصادية للموت، حيث تصل القيمة الإحصائية لحياة شخص واحد في الولايات المتحدة إلى حوالي 5,6 ملايين دولار.
؟ كم تتكلف الحكومة على الجندي المصاب بتلف دماغي شديد؟
ـ بتقديراتي المعتدلة 4 ملايين دولار. وهذه الفئة وحدها ستكلف الحكومة حوالي 35 مليار دولار، لا أحد يتحدث عنها. لكن دعنا ننظر إلى الصورة العريضة:
تنبأت إدارة شؤون المحاربين القدامى بأن حوالي 23 ألف من الجنود العائدين من العراق كانوا بحاجة إلى رعاية طبية العام الماضي. لكن في يونيو 2005، قامت بتعديل هذا الرقم إلى حوالي 103 آلاف جندي.
ولذلك طلبت إدارة المحاربين القدامى من الكونغرس زيادة طارئة في اعتماداتها المالية بواقع 5,1 مليار دولار العام الماضي.
* إذا كانت هذه حرب التريليون دولار، فلماذا لا تستطيع الولايات المتحدة توفير دروع شخصية ومركبات مدرعة أكثر سلامة لجنودها؟
ـ من البديهي ان الولايات المتحدة تستطيع تحمل تكاليف توفير دروع شخصية للجنود. لكن وزير الدفاع دونالد رامسفيلد قال للجنود ان عليهم القتال بالدروع التي بحوزتهم الآن، وهذا يتنافى على المنطق.
ان القوات المسلحة تركز فقط على التكاليف على المدى القصير. أي أنهم إذا لم يوفروا الدروع الشخصية الملائمة سيوفرون بعض المال اليوم، لكن تكلفة الرعاية الصحية الباهظة لاحقاً ستترك للرؤساء المقبلين. واعتقد أن هذا منطق غير مسؤول لا مالياً ولا أخلاقياً.
* كان يمكن لهذه الحرب أن تكون أكثر سلامة للجنود وأقل تكلفة للبلد؟
ـ بالضبط.
* هل أصبحت الحرب فوق طاقة التحمل حتى بالنسبة لبلدان ثرية مثل الولايات المتحدة؟
ـ عليك أن تتذكر ان لدينا اقتصاداً يبلغ إيراده السنوي 13 تريليون دولار. والتقنية ليست ما إذا كنت تستطيع تحمل نفقات الحرب، بل ما إذا كانت هذه هي الطريقة المثلى لإنفاق أموالك.
وباستخدام الموارد المحدودة التي نملكها لنخوض هذه الحرب، يصبح لدينا موادر أقل للقيام بأمور أخرى. لقد شاهدتم على شاشات التلفزة ما حصل في نيو أورليانز بعد إعصار كاترينا. ونحن نستخدم قوات الاحتياط أو الحرس الوطني لمثل هذه المهام في حالات الطوارئ الوطنية. لكنهم لم يكونوا موجودين هنا، كانوا هناك في العراق، ولذلك كان بلدنا أقل حماية.
* قبل غزو العراق. قالت الإدارة الأميركية ان أفضل طريقة للسيطرة على أسعار النفط هي شن حرب قصيرة ناجحة. كان سعر البرميل 25 دولاراً في ذلك الوقت، والآن تجاوز الستين دولاراً. إلى أي مدى يمكن ربط هذه الزيادة بالعراق؟
ـ في تحليلنا لتكاليف الحرب، افترضنا انها تسببت بإضافة 5 إلى 10 دولارات، فقط إلى سعر البرميل. لقد حرصنا على توخي الحذر والاعتدال في دراستنا لكي لا يستطيع أحد التشكيك في أرقامنا. ونجحنا في ذلك فعلاً. لكني اعتقد ان الزيادة الناتجة عن حرب العراق كانت أكبر من تقديراتنا بكثير.
* لكن لماذا؟ لقد شهدت الفترة الماضية زيادة كبيرة في الطلب من الصين والهند وتواصلاً في النمو الاقتصادي العالمي. ألا يغذي هذا ارتفاع أسعار الطاقة؟
ـ عندما يرتفع الطلب، يرتفع العرض.. هكذا تعمل الأسواق عادة. وما نشهده الآن هو زيادة في الطلب على النفط دون زيادة مقابلة في العرض. والتفسير البسيط لهذا هو ان حرب العراق أدت إلى خفض إنتاج النفط العراقي، وان كان هناك عوامل أخرى غيرها.
* مثل ماذا؟
ـ يعتبر الشرق الأوسط المنتج الأقل تكلفة في العالم، إذ يمكنهم إنتاج النفط بتكلفة 10 أو 15 أو 20 دولارا للبرميل، والآن لدينا التكنولوجيا لإنتاج النفط في أماكن أخرى بتكلفة 35 إلى 45 دولارا، لكن من المستعد لتطوير حقول نفط أو الاستثمار في تقنيات جديدة في أماكن أخرى، إذا كان يعلم أنه خلال 5 سنوات ربما يعود الشرق الأوسط لتوريد النفط بالأسعار السابقة؟
؟ أي بعبارة أخرى، إذا عاد السلام والاستقرار للشرق الأوسط، فإن أسعار النفط قد تهبط إلى 25 دولاراً مرة أخرى، برغم الجوع العالمي للطاقة.
ـ نعم، وبالمناسبة فإن هذا هو السعر الذي كان يتكهن به مضاربو تجارة النفط للتعاملات المستقبلية قبل اندلاع الحرب.
* يجب أن تكون هناك ضغوط اقتصادية هائلة على بوش لإنهاء هذه الحرب.
ـ المستفيدون الوحيدون من هذه الحرب هم أصدقاء بوش في صناعة النفط، لقد ألحق بوش أضراراً كبيرة بالاقتصاد الأميركي والاقتصاد العالمي، لكن اصدقاءه في تكساس حققوا مكاسب لم يحلموا بها، أسعار النفط في ارتفاع، وهم يربحون أكثر من ارتفاع الأسعار، ولقد وصلت أرباحهم إلى مستويات قياسية الآن.
* أنت لا تحب هذا الرئيس كثيراً.
ـ الأمر ليس شخصيا، بل يتعلق بسياساته.
* هناك مقولة قديمة بأن الحرب مفيدة للاقتصاد.
ـ الحرب العالمية الثانية كانت حقا استثنائية، لأن أميركا كانت ترزح تحت وطأة ما يعرف بالركود العظيم قبلها، ولذلك ساعدت الحرب الاقتصاد الأميركي في الخروج من ذلك الهبوط.
لكن هذه المرة الحرب ضارة بالاقتصاد، على المدى القصير والمدى البعيد، فإن بوسعنا إنفاق هذه التريليونات على الأبحاث والتعليم بدلاً من إنفاقها على الحرب. وكان من شأن ذلك ان يؤدي إلى زيادة في الإنتاجية المستقبلية.
ترجمة: علي محمد