الثبات الانفعالي

لم يعد أمام لاعبي منتخبنا الوطني سوى خطوة واحدة تفصلهم عن منصة التتويج في «خليجي 27».. خطوة أخيرة لكنها الأصعب، لأن مباريات النهائي لا تعترف بما سبقها من نتائج، ولا تمنح الأفضلية لمن كان أكثر إقناعاً في دور المجموعات أو نصف النهائي، وإنما تذهب في النهاية إلى الفريق الأكثر قدرة على التعامل مع الضغط، والأهدأ في اتخاذ القرار، والأكثر تركيزاً في استثمار التفاصيل الصغيرة.

ومن هنا، فإن «الثبات الانفعالي» سيكون أحد أهم مفاتيح تفوق «الأبيض» في المواجهة المرتقبة أمام المنتخب السعودي، خصوصاً في ظل الأجواء الجماهيرية المنتظر أن تحيط بالمباراة، والمؤازرة الكبيرة التي سيحظى بها «الأخضر» من مدرجات الملعب.

وقدم منتخبنا خلال مشواره في البطولة مستويات قوية ومقنعة، وأكد أنه أحد أبرز المرشحين للظفر بالكأس، بعدما جمع بين القوة الهجومية والتنظيم الدفاعي، وأظهر شخصية مختلفة في التعامل مع المباريات.

والأهم أن «الأبيض» لم يصل إلى النهائي بالصدفة، وإنما استحق وجوده بين طرفي المباراة الأخيرة، بعدما فرض شخصيته وحقق النتائج التي قادته إلى صدارة مجموعته، قبل أن يتجاوز المنتخب العماني في نصف النهائي.

ولكن النهائي له حساباته الخاصة، وقد يكون مختلفاً تماماً عن كل ما سبقه، ولذا فإن المطلوب من لاعبينا ألا يستعجلوا التسجيل، وألا يسمحوا للحماس والرغبة في حسم المباراة مبكراً بأن تتحولا إلى اندفاع غير محسوب، لأن المنتخب السعودي يملك من الخبرة والإمكانات ما يجعله قادراً على استغلال أي خطأ أو مساحة في دفاع «الأبيض».

كما أن الحذر سيكون مطلوباً أمام منافس لم تهتز شباكه بأي هدف حتى الآن في البطولة، وهو ما يؤكد قوة تنظيمه الدفاعي وقدرته على المحافظة على توازنه طوال المباريات.

وفي المقابل، يدخل «الأخضر» النهائي وهو يتطلع إلى استعادة اللقب الخليجي الغائب عن خزائنه منذ عام 2003، ما يعني أن دوافعه ستكون كبيرة، وربما يضاعف ذلك من صعوبة المواجهة.

وفي الجانب الآخر، يملك منتخبنا العديد من الأسلحة التي تمنحه القدرة على الوصول إلى الشباك، سواء من خلال الحلول الفردية أم التنوع الهجومي أم سرعة التحول، إلى جانب شخصية فنية واضحة رسمها المدرب الكرواتي زلاتكو، الذي نجح حتى الآن في قيادة الفريق بذكاء، والتعامل مع ظروف البطولة ومبارياتها بالشكل المناسب.

واللافت أن قوة «الأبيض» لم تتوقف عند الجانب الهجومي، بل امتدت أيضاً إلى الخط الخلفي، بعدما حافظ الفريق على صلابته الدفاعية ولم تستقبل شباكه سوى هدف واحد طوال مشواره في البطولة، ليؤكد أنه قادر على المنافسة بقوة في طرفي الملعب.

وتبدو المعادلة في النهائي واضحة، فالمطلوب الهدوء أولاً، والتركيز ثانياً، والشجاعة في اللحظة المناسبة ثالثاً، ولا نريد من لاعبينا أن يندفعوا لمجاراة المنتخب السعودي أو أن يتأثروا بصخب المدرجات، بل نريد منهم أن يفرضوا شخصية «الأبيض» على المباراة، وأن يجعلوا أرض الملعب هي المكان الذي يتحدث فيه المنتخب عن نفسه، وليس المدرجات.

وبكل تأكيد ستشكل الجماهير السعودية قوة إضافية لـ«الأخضر»، لكن أفضل طريقة لتحييد هذه القوة، الأداء القوي، والاستحواذ الذكي، والتحكم في إيقاع المباراة، والوصول إلى مرمى المنافس بالتركيز نفسه الذي ظهر عليه المنتخب طوال البطولة.

وربما تكون التفاصيل الصغيرة هي الفاصل الحقيقي في هذه المواجهة، مثل تمريرة صحيحة، تمركز جيد، تدخل دفاعي في توقيته، أو استغلال مثالي لفرصة أمام المرمى، وفي نهائي بهذا الحجم، لا يمكن إهدار مثل هذه التفاصيل، لأن الفرصة قد لا تتكرر.

وأتمنى أن يدخل لاعبونا المباراة وهم يدركون أن الكأس أصبحت على بُعد 90 دقيقة، وربما أكثر، من الحلم الإماراتي، والمطلوب منهم أن يلعبوا بثقة، وأن يحافظوا على هدوئهم مهما كانت ظروف المباراة، وأن يؤمنوا بقدرتهم على تحقيق الفوز حتى صافرة النهاية.

ونريد أن نرى «الأبيض» الذي عرفناه في هذه البطولة، قوياً، منظماً، شجاعاً، وهادئاً في أصعب اللحظات، ونريد أن نحتفل جميعاً باللقب الخليجي الثالث، ليعود الكأس إلى الإمارات، ويسعد خلفه جمهور عاشق لكرة القدم الإماراتية، انتظر طويلاً هذه اللحظة.