واصل الدوري الإنجليزي الممتاز تأكيد هيمنته المالية على سوق الانتقالات العالمية، بعدما حطمت أنديته الرقم القياسي للإنفاق خلال فترة الانتقالات الصيفية، للموسم الثاني على التوالي، بوصول إجمالي ما دفعته الأندية إلى 3.46 مليارات جنيه استرليني، في صيف شهد أرقاماً مالية غير مسبوقة وسباقاً محموماً على أبرز المواهب والنجوم.
وتجاوز إنفاق أندية الدرجة الأولى الإنجليزية حاجز 3 مليارات جنيه استرليني، قبل أن يأتي انتقال إليمان ندياي من إيفرتون إلى مانشستر سيتي في اليوم الأخير من فترة الانتقالات، مقابل 60 مليون جنيه استرليني مبدئياً، ليدفع الإجمالي إلى ما بعد الرقم القياسي السابق البالغ 3.14 مليارات جنيه استرليني، والذي تحقق قبل 12 شهراً فقط.
ولم يتوقف الإنفاق عند هذا الحد، إذ تأكد بعد فترة وجيزة من إغلاق سوق الانتقالات انتقال إنزو فرنانديز من تشيلسي إلى مانشستر سيتي مقابل 125 مليون جنيه استرليني، في صفقة تعادل الرقم القياسي البريطاني لقيمة الانتقالات.
وشهد اليوم الأخير وحده إنفاق الأندية الإنجليزية نحو 475 مليون جنيه استرليني، مقابل 391 مليوناً في اليوم الأخير من صيف العام الماضي، ليؤكد الميركاتو الإنجليزي أنه أصبح سوقاً مستقلاً قادراً على تحريك مليارات الجنيهات في غضون أسابيع قليلة.
وتكشف الأرقام المقدمة من بول ماكدونالد، مؤسس موقع «فوتبول ترانسفير» إلى شبكة «بي بي سي»، عن اتساع الفارق المالي للدوري الإنجليزي مقارنة بالماضي، إذ تجاوز إنفاق صيف 2026 بأكثر من ثلاثة أضعاف ما أنفقته الأندية قبل خمس سنوات فقط، عندما بلغ الإجمالي 1.13 مليار جنيه استرليني.
وشهد الصيف الحالي ثلاثاً من أغلى عشر صفقات في تاريخ كرة القدم، وجميعها مرتبطة بأندية من الدوري الإنجليزي الممتاز، كما شهدت الفترة نفسها أربعاً من أغلى خمس صفقات في تاريخ البطولة الإنجليزية.
وتصدر إنزو فرنانديز المشهد بانتقاله إلى مانشستر سيتي مقابل 125 مليون جنيه استرليني، متجاوزاً صفقة إليوت أندرسون، الذي دفع مانشستر سيتي 116 مليون جنيه استرليني، لضمه من نوتنغهام فورست في وقت سابق من الصيف.
وفي المقابل، أنفق تشيلسي 117 مليون جنيه استرليني، للتعاقد مع مورغان روجرز من أستون فيلا، أما ليفربول، فدفع 106 ملايين جنيه استرليني مبدئياً، قابلة للارتفاع إلى 123 مليوناً، للتعاقد مع مهاجم باريس سان جيرمان والمنتخب الفرنسي برادلي باركولا.
وخارج إنجلترا، لم تتجاوز حتى الآن قيمة صفقتين فقط حاجز الـ60 مليون جنيه استرليني، هما انتقال يان ديوماندي إلى ريال مدريد، وانتقال أنتوني جوردون من نيوكاسل إلى برشلونة.
وكان توتنهام من أبرز الأندية التي فتحت خزائنها بقوة، إذ تعاقد مع ساندرو تونالي مقابل رسوم قياسية للنادي قد تصل إلى 100 مليون جنيه استرليني.
ولم يكتف النادي اللندني بذلك، بل دفع 85 مليون جنيه استرليني، لضم ماتيوس فرنانديز من وست هام، إلى جانب صفقة سافيو القادم من مانشستر سيتي مقابل 75 مليون جنيه استرليني قابلة للارتفاع إلى 85 مليوناً.
أما مانشستر سيتي، فأبرم صفقة أخرى كبيرة بضم المغربي أيوب بوعدي من ليل مقابل 85.6 مليون جنيه استرليني، فيما تعاقد أرسنال مع برونو غيماريش من نيوكاسل مقابل 75 مليون جنيه استرليني، ودفع مانشستر يونايتد 70 مليون جنيه استرليني للتعاقد مع لاعب الوسط الكاميروني كارلوس باليبا من برايتون.
وتكشف هذه الأرقام عن حقيقة لافتة، وهي أن 14 صفقة من قائمة أغلى 20 صفقة مكتملة هذا الصيف ارتبطت بأندية الدوري الإنجليزي الممتاز، بما يعكس الفارق الهائل بين قوة السوق الإنجليزية وبقية الدوريات الأوروبية.
بل إن إيبسويتش تاون، الصاعد حديثاً إلى الدوري الممتاز، أنفق على تعاقداته الجديدة أكثر مما أنفقته أندية أوروبية عملاقة مثل برشلونة وميلان ويوفنتوس وبطل أوروبا الحالي باريس سان جيرمان.
وكان مانشستر سيتي صاحب النصيب الأكبر من الإنفاق، بعدما رفع وصول إنزو فرنانديز إجمالي ما دفعه النادي خلال الصيف إلى 458 مليون جنيه استرليني، وحظي المدرب الجديد إنزو ماريسكا بدعم مالي كبير، في إطار سعيه لبناء فريقه الخاص بعد توليه المهمة خلفاً لبيب غوارديولا.
وأصبح هذا الرقم رقماً قياسياً جديداً لنادٍ واحد في الدوري الإنجليزي الممتاز خلال فترة انتقالات واحدة، متجاوزاً الرقم السابق الذي سجله ليفربول الصيف الماضي، عندما أنفق 415 مليون جنيه استرليني.
ولكن إنفاق مانشستر سيتي لم يكن من طرف واحد، إذ حقق النادي أيضاً 304 ملايين جنيه استرليني من مبيعات اللاعبين، ما خفف بصورة كبيرة من التأثير الصافي لهذا الإنفاق الضخم.
وجاء تشيلسي في المركز الثاني بين أكبر المنفقين، بإجمالي 349 مليون جنيه استرليني، لكنه باع لاعبين بقيمة 382 مليوناً، لينتهي به المطاف محققاً ربحاً صافياً قدره 33 مليون جنيه استرليني.
أما توتنهام، فحل ثالثاً بإنفاق بلغ 302 مليون جنيه استرليني، في محاولة واضحة لتجنب موسم آخر من المعاناة والعودة مجدداً إلى المنافسة على المراكز المتقدمة.
ودخل إيبسويتش تاون الصاعد حديثاً إلى الدوري الممتاز سوق الانتقالات بقوة، بعدما أنفق 171 مليون جنيه استرليني، في محاولة لتجنب العودة المباشرة إلى دوري البطولة الإنجليزية، واللافت أن إنفاق إيبسويتش تجاوز ما دفعه مانشستر يونايتد، الذي اكتفى بإنفاق 148 مليون جنيه استرليني على تعاقداته الجديدة.
كما شهد هال سيتي، العائد بدوره إلى الدوري الإنجليزي الممتاز، صيفاً مزدحماً للغاية، بعدما أبرم 18 صفقة جديدة، بينها ست صفقات تمت في اليوم الأخير من فترة الانتقالات.
لم يكن الإنفاق القياسي حكراً على كبار الدوري، إذ حطمت 11 من أصل 20 نادياً، أرقامها القياسية في الانتقالات هذا الصيف، بينما نجحت ستة أندية في تحطيم أرقامها القياسية أكثر من مرة.
وكان كوفنتري، الصاعد إلى الدوري الممتاز إلى جانب إيبسويتش وهال، الأكثر نشاطاً في هذا الجانب، بعدما حطم الرقم القياسي للنادي أربع مرات، وبدأت سلسلة الأرقام القياسية بالتعاقد مع أوريل أميندا مقابل 15.4 مليون جنيه استرليني مبدئياً، قبل أن يرتفع الرقم إلى أكثر من 20 مليوناً عند ضم لوم تشاونا.
ثم انتقل الحارس كارل راشورث إلى النادي بشكل دائم مقابل 22 مليون جنيه استرليني، قبل أن يصبح كاليب ييرينكي صاحب أغلى صفقة في تاريخ كوفنتري، بعد انضمامه مقابل 23.1 مليون جنيه استرليني.
كما حطم أستون فيلا وإيبسويتش أرقامهما القياسية أكثر من مرة، فيما أصبح جيمس ترافورد صفقة قياسية لليدز، ومامادو سانغاري لبرينتفورد، ولوكا فوسكوفيتش لبرايتون، وويليام ديلاب لنوتنغهام فورست، وجميع هذه الصفقات تجاوزت قيمتها 40 مليون جنيه استرليني.
ومن أبرز ملامح سوق الانتقالات هذا الصيف، زيادة اعتماد أندية الدوري الإنجليزي الممتاز على بعضها البعض في إبرام الصفقات، فقد بلغت نسبة الصفقات التي تمت مقابل رسوم انتقال من نادٍ في الدوري الممتاز إلى آخر 35% من إجمالي الصفقات المدفوعة، مقابل 30% في الصيف الماضي، وترتفع النسبة إلى 44% عندما يتعلق الأمر بانتقال لاعبين من درجات أدنى داخل هرم كرة القدم الإنجليزية إلى أندية الدوري الممتاز.
ويؤكد ذلك أن الدوري الإنجليزي بات سوقاً متكاملاً داخلياً، حيث تتحرك الأموال بين أنديته بمعدلات غير مسبوقة، حتى بات اللاعب الذي يثبت قدرته في البطولة المحلية هدفاً مفضلاً للأندية الكبرى.
ويطرح هذا الاتجاه سؤالاً مهماً.. لماذا باتت الأندية الإنجليزية تشتري لاعبي بعضها البعض أكثر من أي وقت مضى، بدلاً من البحث عن أفضل الصفقات في الدوريات الأوروبية الأخرى؟
وأحد أبرز الأسباب يتمثل في تقليل المخاطر، إذ تعرف الأندية الإنجليزية جيداً مستوى اللاعبين الذين سبق لهم خوض المنافسات في الدوري الممتاز، مقارنة باللاعبين القادمين من دوريات أخرى والذين يحتاجون إلى وقت للتأقلم مع طبيعة المسابقة وسرعتها وقوتها البدنية.
كما أن عدداً من الصفقات الكبرى التي أبرمتها الأندية الإنجليزية في الموسم الماضي، ولا سيما مع لاعبين قادمين من الدوري الألماني، لم يقدم المستوى المنتظر، ولم يبرر في بعض الحالات رسوم الانتقال الضخمة التي دفعت من أجلهم.
وفي المقابل، ظهرت صفقات هذا الصيف بين الأندية الإنجليزية وكأنها تحمل أيضاً بعداً محاسبياً، مع قيام أندية مثل تشيلسي وأستون فيلا ببيع لاعبين لبعضهما البعض.
وهناك عامل آخر لا يمكن تجاهله، وهو أن الأندية الأوروبية قد ترفع مطالبها المالية عندما تعلم أن المشتري الإنجليزي يملك موارد ضخمة بفضل عائدات حقوق البث التلفزيوني والدخل التجاري، ما يجعل شراء لاعب من الخارج أكثر تكلفة.
ورغم عمليات البيع الضخمة التي قامت بها الأندية الإنجليزية، لا يزال صافي إنفاق الدوري الإنجليزي الممتاز يتجاوز مليار جنيه استرليني خلال فترة الانتقالات الحالية، وهو الأعلى في أوروبا بفارق كبير.
في المقابل، تمكنت أندية الدوري الألماني والدوري الفرنسي من تحقيق رسوم انتقالات من بيع اللاعبين تتجاوز ما أنفقته في سوق الانتقالات، وباستثناء الفرنسيين برادلي باركولا وأيوب بوعدي، فإن غالبية الصفقات الكبرى التي أبرمتها أندية الدوري الإنجليزي الممتاز هذا الصيف جاءت من أندية تنافسها في المسابقة نفسها.
وانتقل زميلا المنتخب الإنجليزي مورغان روجرز وإليوت أندرسون بين أندية الدوري، كما باع نيوكاسل ساندرو تونالي إلى توتنهام وبرونو غيماريش إلى أرسنال، وبعد مطاردة استمرت 12 شهراً، نجح مانشستر يونايتد في الحصول على خدمات كارلوس باليبا من برايتون لتدعيم خط الوسط، بينما جاءت صفقتا توتنهام مع ماتيوس فرنانديز وسافيو ضمن موجة الانتقالات الداخلية نفسها.
وبوصول الإنفاق إلى 3.46 مليارات جنيه استرليني، لم يعد الدوري الإنجليزي الممتاز مجرد أقوى دوري في العالم من الناحية الرياضية، بل أصبح أيضاً القوة الاقتصادية الأبرز في سوق الانتقالات.
وبينما تبحث أندية أوروبا عن طرق لمجاراة الإنفاق الإنجليزي، تواصل الأندية الإنجليزية تحطيم أرقامها القياسية، بل وتشتري أبرز لاعبي بعضها البعض بأسعار كانت تبدو قبل سنوات قليلة ضرباً من الخيال.
