10 رسائل من جيل 1990 تفتح الباب أمام السؤال الأهم: ماذا بعد يا كرة الإمارات؟
لم يكن استقبال صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، رئيس الدولة، حفظه الله، لنجوم المنتخب الوطني الذين شاركوا في نهائيات كأس العالم إيطاليا 1990، مجرد استعادة لصفحة مضيئة من تاريخ كرة القدم الإماراتية، ولا مناسبة للاحتفاء بجيل صنع قبل أكثر من ثلاثة عقود الإنجاز المونديالي الأبرز في تاريخ المنتخب، بقدر ما تحول اللقاء إلى رسالة ممتدة بين الماضي والحاضر والمستقبل.
بعد نحو 36 عاماً على ظهور الإمارات الأول في كأس العالم، عاد أفراد ذلك الجيل إلى الواجهة من بوابة الوفاء، لاعبون كتبوا أسماءهم بحروف من ذهب في قلوب مشجعي الكرة الإماراتية سعيد صلبوخ وعدنان الطلياني وعبدالله موسى، وعبد القادر حسن ومحسن مصبح وعبدالله سلطان، وخليل غانم وإبراهيم مير وعيسى مير، ويوسف حسين وحسن علي وعبد العزيز محمد، وفهد خميس وعلي ثاني وحسن محمد بولو، وفهد عبد الرحمن وفاروق عبد الرحمن وزهير بخيت، وسالم ربيع ومحمد سالم رضوان وعبد الرحمن الحداد.
رجال تغيرت ملامحهم، وابتعد معظمهم منذ سنوات طويلة عن المستطيل الأخضر، لكن الإنجاز الذي صنعوه بقي حاضراً في ذاكرة الوطن، ليمنح استقبالهم بعد كل هذه السنوات المناسبة بعداً يتجاوز التكريم التقليدي لأصحاب الإنجازات.
ففي العادة يأتي التكريم قريباً من لحظة الفوز، عندما تكون الأضواء لا تزال مسلطة على الأبطال، وتبقى صور الإنجاز طازجة في الذاكرة. لكن أن يعود جيل كامل إلى دائرة الاحتفاء بعد أكثر من ثلاثة عقود، فذلك ما منح اللقاء رمزيته الخاصة، وحوّله، في نظر نجوم مونديال 1990 أنفسهم، إلى رسالة تقول إن الزمن لا يلغي قيمة ما يقدم للوطن.
من خالد إسماعيل، صاحب أحد هدفي الإمارات في مونديال إيطاليا، إلى فهد خميس ومحسن مصبح وسالم ربيع وعبدالله موسى وعبد القادر حسن وحسين غلوم ومحمد سالم رضوان، تكررت كلمات مثل «الوفاء» و«الذاكرة» و«الأجيال» و«المستقبل»، وإن اختلفت طريقة التعبير عنها.
ومن مجموع هذه الشهادات يمكن قراءة عشر رسائل تتجاوز جيل 1990 نفسه، وتفتح الباب أمام سؤال أكبر: ماذا بعد لقاء صاحب السمو رئيس الدولة؟ وكيف يمكن أن تتحول هذه الرسالة إلى مشروع مستقبلي؟
صفحة جديدة
بعد أكثر من ثلاثة عقود، أعاد لقاء رئيس الدولة فتح تلك الصفحة، ليس للبقاء فيها، وإنما للعبور منها إلى صفحة جديدة. فالوفاء هنا لا يعني النظر إلى الخلف فقط، والذاكرة لا تؤدي دورها باستعادة الصور والنتائج وحدها. قيمتها الحقيقية أن تمنح من يأتي بعد أصحابها سبباً إضافياً ليحلم، ويعمل، ويؤمن بأن ما يصنعه لوطنه اليوم يمكن أن يبقى بعد أن تتوقف الأضواء ويغادر الملعب. ولهذا ربما كانت العبارة التي قالها سالم ربيع الأكثر اختصاراً لمعنى المشهد كله: «الوطن لا ينسى أبناءه، والعطاء لا يسقط بالتقادم».
1- الوطن لا ينسى من يصنع تاريخه
تبدو الرسالة الأولى والأكثر وضوحاً في شهادات نجوم مونديال 1990 أن الإنجاز الحقيقي لا يملك تاريخ انتهاء. مر أكثر من ثلاثة عقود على تأهل المنتخب إلى كأس العالم، وتبدلت أجيال وتعاقبت بطولات، لكن اللحظة التي صنعتها مجموعة 1990 ظلت حاضرة في الذاكرة الرياضية الإماراتية.
ولخص خالد إسماعيل هذه الدلالة بقوله: «إن من ينجز ويقدم شيئاً لدولة الإمارات لا يُنسى، وسيظل الناس يذكرونه حتى بعد سنوات طويلة».
بالنسبة إلى خالد إسماعيل، لم يكن الاستقبال استعادة عابرة للذكريات، بل دليلاً عملياً أمام الجيل الجديد على أن ما يصنعه الرياضي لوطنه اليوم يمكن أن يبقى حياً بعد عقود.
ومن هنا جاءت رسالته المباشرة للأجيال الجديدة: «اصنع تاريخاً لبلدك، وسيذكرك الناس». والمفارقة أن إسماعيل نفسه يمثل إحدى الصور الأكثر رسوخاً من تلك المشاركة، بعدما سجل هدف الإمارات أمام ألمانيا في نهائيات 1990. وبعد كل هذه السنوات، يعود اللاعب ورفاقه إلى المشهد لا لأنهم فازوا ببطولة جديدة، بل لأن ما صنعوه في الماضي لم يفقد قيمته.
وهو المعنى ذاته الذي عبّر عنه سالم ربيع عندما اعتبر أن «جيل التسعين لم يعد إلى ذاكرة الوطن اليوم، لأنه لم يغادرها أصلاً». تختصر الجملتان جوهر الرسالة: قد يعتزل اللاعب، وتتوقف مسيرته، ويبتعد عن الملاعب والأضواء، لكن الإنجاز الذي يحمل اسم الوطن يملك عمراً أطول من صاحبه الرياضي.
2- الوفاء لا يرتبط بالزمن
تكمن خصوصية الاستقبال في توقيته بقدر ما تكمن في المناسبة نفسها. لو حدث اللقاء بعد أشهر من مونديال 1990 لكان جزءاً طبيعياً من الاحتفاء بإنجاز كبير. أما أن يأتي بعد نحو 36 عاماً، فهذا ما منحه، وفق شهادات اللاعبين، معنى مختلفاً.
قال عبد القادر حسن إن لقاء صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد بعد كل هذه السنوات «دليل على أن الدولة لا تنسى أبناءها، وتظل وفية لكل من قدم واجتهد وأعطى من أجلها».
أما سالم ربيع فتوقف عند الفارق بين استقبال فريق حقق بطولة للتو وبين تكريم جيل ابتعد عن لحظة إنجازه عشرات السنين.
وقال: «اعتدنا أن نرى رئيس الدولة يستقبل أصحاب الإنجازات والأبطال، لكن أن يتم استقبال جيل بعد 36 عاماً، فهذا بحد ذاته شيء استثنائي». هنا تتحول السنوات نفسها إلى جزء من قيمة الحدث.
مرور الزمن، بدلاً من أن يضعف الإنجاز، أعطى للتكريم قوة رمزية أكبر، لأنه أكد أن العلاقة بين الوطن وأصحاب إنجازاته ليست مرتبطة بلحظة الفوز وحدها.
محسن مصبح وصف الأمر بأنه «صدمة جميلة»، لأن اللاعب الذي مضى على إنجازه 36 عاماً يكتشف أنه ما زال حاضراً في ذاكرة القيادة، وأن ما قدمه لم يتحول إلى مجرد رقم في الأرشيف. وقال حارس المنتخب السابق: «من ينجز يكرم، ومن يرفع علم الدولة يكرم». فيما بدا الأمر من وجهة سالم ربيع معادلة بسيطة: «العطاء لا يسقط بالتقادم».
3- الإنسان قبل اللاعب
وراء الصور الرسمية للاستقبال، برز تفصيل تكرر في شهادات أكثر من لاعب: الجانب الإنساني للقاء. فقد تحدث أفراد جيل 1990 عن السؤال عن أحوالهم وأسرهم وأبنائهم، وعن عفوية الحوار وقرب صاحب السمو رئيس الدولة منهم، وهي تفاصيل تركت لديهم أثراً لا يقل عن قيمة التكريم نفسه.
قال عبدالله موسى: «رغم مشاغل صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، وما يحمله من مسؤوليات وتحديات، إلا أنه يستقبلك وكأنه يعرفك منذ سنوات، يحتضنك ويقف إلى جانبك، ويسلم عليك ويسألك عن أخبارك وأخبار الأهل والأبناء».
وذهب محمد سالم رضوان إلى وصف الإحساس ذاته قائلاً إنه شعر أمام «أب حنون يحرص على أبنائه ويسأل عن أحوالهم».
أما خالد إسماعيل، فقال إن عفوية صاحب السمو رئيس الدولة وقربه من اللاعبين كانا من أكثر الأمور التي أثرت فيه خلال اللقاء.
وتكشف هذه الشهادات وجهاً آخر من المناسبة، إذ لم يشعر اللاعبون بأنهم استدعوا فقط بوصفهم أصحاب إنجاز قديم، بل باعتبارهم أشخاصاً ظلوا جزءاً من الذاكرة الوطنية.
ولذلك قال عبدالله موسى إن اللقاء «أعاد لنا الروح»، بينما عبّر محسن مصبح عن قوة اللحظة بطريقة مختلفة، قائلاً إنه شعر كما لو أنه «معتزل الآن»، في إشارة إلى أن التكريم أعاد إليه إحساس السنوات التي كان فيها داخل الملعب. هكذا أعاد اللقاء اللاعب خلف صورة البطل، والإنسان خلف الإنجاز.
4- جيل 1990 يجتمع من جديد
حمل الاستقبال معنى إضافياً لم يكن مرتبطاً فقط بعلاقة اللاعبين بالقيادة، وإنما بعلاقة أفراد الجيل بعضهم ببعض. بعد عقود من مونديال إيطاليا، أخذت الحياة كل لاعب إلى مسار مختلف، وتراجعت فرص اللقاء، وبات التواصل، كما يقول حسين غلوم، يتم في أحيان كثيرة عبر الهواتف ومجموعات «واتساب». لكن استقبال رئيس الدولة أعاد جمع أفراد المنتخب في مكان واحد.
قال غلوم: «مرت فترة طويلة لم نجتمع فيها كلاعبي المنتخب، وأصبح تواصلنا في الغالب عبر الواتساب، لكننا لم نجتمع ونلتقِ بهذا الشكل منذ سنوات».
ثم أضاف: «صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان أعاد لمتنا من جديد». قد يبدو الأمر تفصيلاً عاطفياً أمام القيمة الوطنية الأكبر للحدث، لكنه يعكس أيضاً طبيعة الإنجاز الجماعي.
فالمنتخب الذي بلغ كأس العالم لم يكن مجموعة أسماء منفصلة، بل جيلاً صنع لحظة واحدة، وبقي اسمه مرتبطاً بها حتى بعد أن افترقت طرق أفراده.
وبعد 36 عاماً، عاد الفريق إلى صورة واحدة، وكأن اللقاء أعاد للحظة وجوهاً غادرتها الملاعب لكنها لم تغادر ذاكرتها.
5- رسالة لا تخص كرة القدم وحدها
على الرغم من أن المناسبة ارتبطت بمنتخب كرة القدم ومونديال 1990، فإن اللاعبين الذين تحدثوا عن دلالاتها رفضوا حصر الرسالة في اللعبة الشعبية الأولى.
خالد إسماعيل أكد أن التقدير يشمل كل من يسهم في رفع اسم الإمارات «ليس في كرة القدم فقط، بل في مختلف الرياضات والمجالات».
وذهب محسن مصبح في الاتجاه ذاته، واصفاً التكريم بأنه «وسام على القلب وعلى الصدر لكل الرياضيين في دولة الإمارات، وليس لكرة القدم فقط».
في هذا المعنى، يتحول جيل 1990 إلى نموذج، وليس استثناءً. فالرسالة التي يقرأها رياضي شاب في ألعاب القوى أو السباحة أو الجودو أو أي لعبة أخرى لا تختلف كثيراً عن تلك التي تصل إلى لاعب كرة القدم: الإنجاز باسم الإمارات يبقى محفوظاً.
وسالم ربيع وسّع الدائرة أكثر عندما رأى أن دلالة اللقاء تعكس ثقافة الوفاء لأصحاب الإنجازات في مختلف المجالات، وليس الرياضة وحدها.
وبذلك يصبح استقبال جيل المونديال نموذجاً لعلاقة أوسع بين العطاء والتقدير، وبين ما يقدمه الفرد لوطنه وبين المكان الذي يحتفظ به داخل ذاكرته.
6- من الماضي إلى الجيل الحالي
لم يتعامل نجوم 1990 مع التكريم بوصفه حقاً شخصياً لهم، بل رأوا فيه حافزاً موجهاً إلى الرياضيين الذين يحملون علم الإمارات اليوم.
فهد خميس اختصر هذه الفكرة بقوله: «هذه رسالة للأبطال الذين سيقدمون الإنجازات في المستقبل».
والمعنى هنا أن قيمة استقبال جيل 1990 لا تتوقف عند الاحتفاء بما تحقق، وإنما فيما يمكن أن يصنعه المشهد داخل وعي لاعب ناشئ أو رياضي في بداية طريقه.
عندما يرى الرياضي أن الإنجاز يبقى موضع تقدير بعد عشرات السنين، تتحول البطولة من مكافأة آنية إلى إرث.
حسين غلوم وجه كلامه مباشرة إلى الشباب: «انظروا إلى ما حدث معنا، فبعد 36 سنة لم تنس الدولة إنجازاتنا، وهذا يؤكد أن من يحقق إنجازاً باسم الإمارات لا يُنسى مهما طال الزمن».
ودعا الجيل الجديد إلى مواصلة العمل والعطاء، فيما قال محمد سالم رضوان إن «لكل مجتهد نصيباً»، مطالباً الشباب بالنظر إلى تجربة من سبقوهم ومواصلة الطريق. وبهذه القراءة، يصبح الوفاء بالماضي أداة لصناعة المستقبل، لا مجرد احتفاء بالذاكرة.
7- الإنجاز مسؤولية وليس امتيازاً
هناك جانب آخر يمكن استخلاصه من حديث نجوم جيل 1990: الإنجاز لم يكن بالنسبة إليهم طريقاً إلى التكريم بقدر ما كان أداءً لواجب.
محسن مصبح عبّر بوضوح عن هذا المعنى، مؤكداً أن لاعبي ذلك الجيل لم يكونوا يعملون بحثاً عن تكريم يأتي بعد عقود، وإنما كانوا يؤدون واجبهم تجاه وطنهم ويحاولون رفع علم الإمارات في المحافل الدولية. وهذا التفصيل مهم في الرسالة الموجهة إلى اللاعبين الحاليين وجيل المستقبل. فالتكريم يأتي نتيجة للعطاء وليس هدفاً له.
عبد القادر حسن بدوره ربط بين ما تقدمه الدولة لأبنائها وبين مسؤوليتهم تجاهها، داعياً الشباب إلى إدراك قيمة الدعم الذي يحصلون عليه وترجمته إلى عمل واجتهاد. وهنا ينتقل الحديث من «ماذا يمنح الوطن للرياضي؟» إلى «ماذا يقدم الرياضي للوطن؟». إنها علاقة متبادلة: دعم ورعاية من جهة، ومسؤولية وعطاء وإنجاز من جهة أخرى.
ولذلك لم تكن دعوات لاعبي 1990 للشباب قائمة على الاكتفاء باستحضار تجربتهم، بل على محاولة تجاوزها وصناعة تاريخ جديد.
8- المونديال المقبل يبدأ من القاعدة
وسط المشاعر والذكريات، طرح خالد إسماعيل جانباً عملياً يتجاوز رمزية اللقاء إلى مستقبل كرة القدم الإماراتية.
فصاحب الهدف في مرمى ألمانيا لا يريد أن يبقى مونديال 1990 محطة وحيدة يتناقلها جيل بعد آخر، بل يتطلع إلى عودة الإمارات إلى كأس العالم، محدداً مونديال 2030 هدفاً ينبغي العمل من أجله.
وقال: «لا بد أن تكون الإمارات موجودة في كأس العالم 2030 إن شاء الله». لكن خالد إسماعيل لم يضع المسألة في إطار الأمنيات فقط، بل ربط العودة إلى المونديال بالعمل من القاعدة، من خلال اكتشاف المواهب وتوسيع ممارسة كرة القدم في المدارس وتنظيم المسابقات المدرسية والاهتمام بالفئات العمرية الصغيرة.
وهي نقطة تنقل التقرير من الاحتفاء بإنجاز 1990 إلى السؤال الذي يفرض نفسه منذ ذلك الحين: كيف يولد جيل مونديالي جديد؟
فإن كان استقبال اللاعبين بعد 36 عاماً يقول إن الإنجاز لا يُنسى، فإن الرسالة المقابلة هي أن أفضل طريقة لتكريم جيل 1990 ليست فقط باستعادة قصته، وإنما بصناعة جيل جديد يضيف فصلاً آخر إليها.
والعودة إلى كأس العالم لا تبدأ في المباراة الأخيرة من التصفيات، بل قبل ذلك بسنوات داخل المدارس والأكاديميات وملاعب الفئات العمرية.
9- لا ينبغي أن يبقى 1990 نهاية القصة
كلما مرت السنوات، ازدادت رمزية مونديال إيطاليا في تاريخ الكرة الإماراتية، لكن ذلك يحمل مفارقة لا يمكن تجاهلها: قوة الذاكرة تزداد أيضاً لأن الإنجاز لم يتكرر حتى الآن. لهذا حملت كلمات أفراد ذلك المنتخب تطلعاً واضحاً إلى المستقبل.
فهد خميس تحدث عن ضرورة أن يبقى مونديال 2030 هدفاً أساسياً، وخالد إسماعيل دعا إلى بناء قاعدة تستطيع إنتاج المواهب، فيما تمنى حسين غلوم أن «يحذو الجيل الجديد حذونا» وأن يرى رياضيي الإمارات في أعلى المراتب.
أما محمد سالم رضوان فاختصر العلاقة بين الأجيال بقوله إن الإنجازات «لا تتوقف عند جيل معين، وإنما تنتقل من جيل إلى آخر».
تلك ربما تكون إحدى أهم رسائل اللقاء. جيل 1990 لا يريد أن يبقى الجيل الوحيد.
فالقيمة التاريخية لما صنعه لا تتعارض مع الرغبة في أن يأتي جيل يتجاوزه. على العكس، قد يكون أعظم امتداد لذلك الإنجاز أن يتحول من ذكرى استثنائية إلى بداية لسلسلة من المشاركات والنجاحات. ومن هنا يمكن النظر إلى الاستقبال باعتباره جسراً بين تاريخ مكتوب ومستقبل ينتظر من يكتبه.
10- الوفاء للماضي يصبح استثماراً في المستقبل
في نهاية المطاف، تجمع الرسائل التسع السابقة فكرة واحدة: الاحتفاء بالماضي يمكن أن يصبح جزءاً من صناعة المستقبل.
فالرياضي الشاب الذي يرى أصحاب إنجاز مضى عليه 36 عاماً يعودون إلى واجهة التكريم يدرك أن مسيرته لا تقاس فقط بعقد احتراف أو موسم أو بطولة، وأن ما يبقى في النهاية هو ما يضيفه إلى اسم بلاده.
وهذه تحديداً هي المسافة التي قطعها استقبال جيل 1990: من مناسبة تخص مجموعة من اللاعبين السابقين إلى رسالة موجهة لمن لم يولد بعضهم عندما خاض المنتخب نهائيات إيطاليا.
فهد خميس رأى فيها رسالة «للأبطال القادمين»، وخالد إسماعيل دعا الجيل الجديد إلى صناعة تاريخه، وحسين غلوم طلب من الشباب النظر إلى ما حدث لجيله بعد كل هذه السنوات، فيما رأى سالم ربيع أن المشهد «رسالة للمستقبل وللأجيال».
أما عبد القادر حسن فقدم المعادلة من زاوية مختلفة: الدولة التي تبني الإنسان وتقف إلى جانبه تستحق منه أن يقدر عطاءها ويقدم أفضل ما لديه.
هذه الرسائل لا تقول للجيل الحالي أن يعيش على أمجاد الماضي، بل العكس تماماً: تقول له إن الماضي يؤدي وظيفته الحقيقية عندما يدفع إلى إنجاز جديد.
رسالة واضحة
بعد 36 عاماً، لم يعد السؤال الأهم ماذا فعل جيل 1990، فالإجابة محفوظة في تاريخ الكرة الإماراتية: قاد المنتخب إلى أول مشاركة في كأس العالم ورفع علم الدولة على أكبر مسرح كروي عالمي.
السؤال الذي طرحه استقبال صاحب السمو رئيس الدولة بطريقة غير مباشرة هو: ماذا سيفعل الجيل القادم؟ ربما لهذا السبب بدت مشاعر اللاعبين السابقين أكبر من مجرد فرحة بتكريم شخصي.
عبدالله موسى تحدث عن لقاء «أعاد لنا الروح»، وحسين غلوم عن «لمة» أعادت أفراد المنتخب إلى بعضهم، ومحمد سالم رضوان عن إحساس بالقرب الإنساني، ومحسن مصبح عن «وسام» لكل الرياضيين، وعبد القادر حسن عن دولة «لا تنسى أبناءها»، وفهد خميس عن رسالة إلى «الأبطال القادمين»، وخالد إسماعيل عن تاريخ لا يُنسى، وسالم ربيع عن إنجاز «لا يموت».
ثمانية أصوات، لكن الرسالة في النهاية واحدة.
وبين مونديال مضى عليه 36 عاماً ومونديال جديد يحلم به جيل آخر، تقف الرسالة واضحة: من يصنع تاريخ الإمارات يبقى في ذاكرتها، لكن أفضل وفاء للتاريخ هو أن يأتي من يصنع تاريخاً جديداً.

