لا تبدأ كل مباريات كرة القدم مع صافرة الحكم، فبعض المواجهات تشتعل قبل ساعات من انطلاقها، بعيداً عن المستطيل الأخضر، في الشوارع والمقاهي ومحيط الملاعب، حيث تتداخل مشاعر الانتماء والعداء، وتظهر أحياناً خلافات تتجاوز حدود المنافسة الرياضية إلى السياسة والأيديولوجيا.
وفي المقابل، لا تقتصر علاقة جماهير الأندية الإسبانية على الخصومات والمواجهات الساخنة، بل تمتد إلى صداقات تاريخية وروابط متينة، تعرف باسم «التوأمة الجماهيرية»، وتستمر أحياناً حتى عندما يلتقي الفريقان على أرض الملعب.
وجاءت المواجهة الأخيرة بين جماهير ليفانتي وإشبيلية لتعيد تسليط الضوء على هذه العلاقات المتشابكة، بعدما شهد محيط ملعب سيوداد دي فالنسيا، الاثنين الماضي، اشتباكات بين مشجعين من الفريقين، تخللها تبادل إلقاء الزجاجات والكراسي والاعتداءات، ما استدعى تدخل الشرطة وأسفر عن توقيف عدد من الأشخاص.
ورغم المشهد العنيف، تؤكد صحيفة «آس» أن جماهير ليفانتي وإشبيلية لا ترتبط بعداوة تاريخية معروفة، ولم تشهد علاقتهما مواجهات مماثلة بصورة متكررة، لتبقى الحادثة مثالاً على أن التوترات الجماهيرية قد تنشأ أحياناً بعيداً عن الخصومات التقليدية بين الأندية.
عداوة الجار وصداقات المدرجات
تتمثل أبرز خصومات إشبيلية في مواجهته التقليدية أمام جاره ريال بيتيس، في ديربي الأندلس الذي يعد من أكثر مباريات الدوري الإسباني سخونة، بالنظر إلى جذور التنافس بين الناديين وجماهيرهما.
أما مجموعة «بيريس» المشجعة لإشبيلية، فتربطها علاقات جيدة بجماهير رايو فايكانو وريال أوفييدو وديبورتيفو لاكورونيا، وظهرت هذه الروابط في مناسبات عدة، من بينها رفع جماهير ديبورتيفو وإشبيلية لافتات مشتركة عام 2014، حملت عبارة تؤكد استمرار تقليد الصداقة بين مدينتي لاكورونيا وإشبيلية.
وتظهر هذه العلاقات أن بعض الروابط الجماهيرية لا تتأثر بالضرورة بالمنافسة داخل الملعب، بل تتغذى على مواقف مشتركة وتاريخ طويل من التضامن بين مجموعات المشجعين.
«الأخوة» في فالنسيا
على الجانب الآخر، ترتبط جماهير ليفانتي بعلاقات متوترة مع جماهير إلتشي وفالنسيا، في حين تجمعها علاقة ودية مع فياريال، تعرف باسم «الأخوة الفالنسية».
وتتجاوز هذه العلاقة حدود التشجيع، إذ تشهد جماهير الناديين وروابطهما أحياناً لقاءات ووجبات مشتركة وأنشطة تعزز التقارب، كما سبق أن تقاسما الملاعب في ظروف استثنائية خلال أعمال التجديد أو الإنشاء.
وتكشف هذه الروابط عن وجه مختلف لكرة القدم الإسبانية، حيث يمكن للمنافسة الرياضية أن تتعايش مع الاحترام والصداقة، بل إن بعض الجماهير تحرص على استمرار علاقاتها حتى في أيام المباريات التي تجمع فريقيها.
السياسة حاضرة في المدرجات
لا تبنى جميع العلاقات الجماهيرية على نتائج المباريات أو تاريخ المنافسة، ففي بعض الحالات، تلعب المواقف السياسية والأيديولوجية دوراً رئيسياً في تحديد طبيعة الصداقة أو العداوة.
ويبرز رايو فايكانو مثالاً على ذلك، إذ ترتبط مجموعة «بوكانيروس» بعلاقات وثيقة مع جماهير تتبنى توجهات يسارية، ومن بينها جماهير إشبيلية، وتجسدت هذه العلاقة في مواقف تضامنية بين الطرفين، ففي الموسم الماضي، ومع امتناع رايو فايكانو عن بيع تذاكر لجماهير الفرق الزائرة، عرض مشجعوه شراء التذاكر لمشجعي إشبيلية الراغبين في السفر إلى مدريد، بعدما اقتصر الحصول عليها على شبابيك ملعب المباراة.
كما تتبادل جماهير الناديين الدعم في المدرجات، بما في ذلك ترديد الهتافات المناهضة لرئيسي الناديين، في مشهد يعكس تقاطع المواقف الجماهيرية مع الخلافات الإدارية والسياسية.
وتربط جماهير رايو فايكانو أيضاً علاقة جيدة بجماهير أتلتيك بلباو، وتحرص مجموعات من الطرفين على تنظيم لقاءات ووجبات مشتركة قبل المباريات.
الخصومة الأكبر
تتصدر المنافسة بين برشلونة وريال مدريد قائمة أشهر الخصومات في كرة القدم العالمية، إذ يتجاوز «الكلاسيكو» حدود التنافس الرياضي ليحمل أبعاداً تاريخية وثقافية وسياسية، إلى جانب الصراع المستمر على الألقاب والنجوم.
كما تشهد علاقة برشلونة بأتلتيكو مدريد توتراً مرتبطاً بتاريخ المواجهات بين الفريقين، فيما تخوض جماهير برشلونة صراعاً محلياً مع إسبانيول، في واحدة من أبرز المنافسات داخل إقليم كتالونيا.
وفي المقابل، تربط ريال مدريد وإسبانيول علاقة أفضل نسبياً، في ظل تقاطع مصالحهما التنافسية واشتراكهما في الخصومة مع برشلونة، وإن ظلت هذه العلاقات متفاوتة بين مجموعات المشجعين.
ولم تتوقف التوترات الكتالونية عند برشلونة وإسبانيول، إذ تصاعدت في السنوات الأخيرة حدة العلاقة بين إسبانيول وجيرونا، إلى درجة منع مشجعي إسبانيول ارتداء قمصان جيرونا داخل ملعب «آر سي دي إي»، في ظل إجراءات مماثلة اتخذها الطرفان في فترات سابقة.
جذور مشتركة
على الرغم من حدة المنافسة بين الأندية الإسبانية، فإن بعض العلاقات تعود إلى جذور تاريخية مشتركة. ويبرز أتلتيكو مدريد وأتلتيك بلباو مثالاً على ذلك، إذ تأسس النادي المدريدي عام 1903 بمبادرة من طلاب باسكيين كانوا يدرسون في مدريد، بوصفه فرعاً مرتبطاً بالنادي الباسكي.
وخلال السنوات الأولى، ارتبط الناديان بلوائح وتنظيمات مشتركة، وشهدت علاقتهما نوعاً من التوأمة، وصلت إلى حد السماح للأعضاء بالانضمام إلى أي من الناديين.
ولا تزال هذه الخلفية التاريخية تمنح العلاقة بين الطرفين خصوصية، حتى مع تطور المنافسة الرياضية بينهما على مدار العقود.
صداقة تتجاوز المسافات
ترتبط جماهير أتلتيك بلباو بعلاقة ودية مع جماهير سيلتا فيغو، وتظهر هذه الصداقة بوضوح عندما يلتقي الفريقان، إذ يسافر عدد كبير من المشجعين لحضور المباريات، فيما تنظم مجموعات من الطرفين لقاءات مشتركة قبل صافرة البداية.
ولكن جماهير سيلتا فيغو تعيش في المقابل خصومة تقليدية مع ديبورتيفو لاكورونيا، في إطار التنافس بين الناديين القادمين من إقليم غاليسيا.
ومن جانبه، دخل ديبورتيفو لاكورونيا في خصومة متزايدة مع راسينغ سانتاندير خلال السنوات الأخيرة، بعدما تنافس الفريقان على الصعود في دوري الدرجة الثالثة الإسباني سابقاً، ثم في دوري الدرجة الثانية، وهو ما أسهم في زيادة حدة التنافس بين جماهيرهما.
كما شهدت علاقة ديبورتيفو بملقة توتراً في الموسم الماضي، وسط تقارير عن مشكلات ومشاحنات في شوارع لاكورونيا عند زيارة جماهير النادي الأندلسي، وترتبط جذور جانب من هذا التوتر بخلافات سياسية بين مجموعات المشجعين المتشددين، امتد تأثيرها إلى أجزاء أخرى من المدرجات.
خصومات أندلسية
تعد جماهير إشبيلية الخصم الأبرز لجماهير ملقة، وقد شهدت العلاقة بين الطرفين مواجهات عنيفة في مناسبات سابقة، ففي عام 2022، انتظر مشجعون متشددون لملقة جماهير إشبيلية في المطار، لدى عودتها من لندن عقب مباراة في الدوري الأوروبي، قبل اندلاع اشتباكات
.
كما تشهد علاقة ملقة توتراً مع جماهير ألميريا وخيريث، في حين ترتبط جماهيره بروابط ودية مع أندية أندلسية أخرى، أبرزها قرطبة وغرناطة وسبتة.
وكانت جماهير ملقة ترتبط في سنوات سابقة بعلاقة جيدة مع نومانسيا، فيما تحافظ على علاقات ودية مع إلتشي وفالنسيا، إلى جانب جماهير أندية أخرى، منها كاستيون وسبورتينغ خيخون ولاس بالماس.
وتعكس هذه الخريطة اتساع شبكة العلاقات بين الجماهير الإسبانية، حيث لا تقتصر الروابط على القرب الجغرافي، بل تتأثر بالتاريخ المشترك والمواقف السياسية والخصومات المتراكمة.
العدو المشترك
على الرغم من أن إشبيلية يمثل الخصم التقليدي المشترك لبيتيس وملقة، فإن ذلك لم يمنع نشوء توترات بين جماهير الناديين، شهدت في مناسبات سابقة اشتباكات استخدمت فيها العصي والحجارة والسلاسل والألعاب النارية، ما استدعى تدخل الشرطة.
كما تراجعت علاقة بيتيس بأتلتيكو مدريد نسبياً خلال السنوات الأخيرة، بينما تربطه علاقات جيدة بجماهير ريال مايوركا وليفانتي، فضلاً عن صداقة تاريخية مع جماهير سبورتينغ خيخون.
وتظهر هذه العلاقة الأخيرة في تنظيم استقبال جماعي للمشجعين ولقاءات ووجبات مشتركة قبل المباريات. وقد تعززت الروابط بين الناديين خلال موسم 2014 ــ 2015، عندما نجح كلاهما في الصعود إلى دوري الدرجة الأولى الإسباني.
وفي مفارقة أخرى، ترتبط جماهير إشبيلية وأوفييدو أيضاً بعلاقة ودية، رغم أن كلاً منهما يحمل خصومة مع أحد طرفي العلاقة بين بيتيس وسبورتينغ خيخون، ما يؤكد أن شبكة الصداقات والعداوات في المدرجات الإسبانية لا تخضع دائماً لمنطق واحد.
وفي النهاية، تبدو مدرجات الكرة الإسبانية عالماً موازياً للمنافسة داخل الملعب، عالم تتشابك فيه الجغرافيا والتاريخ والسياسة والانتماءات، فتولد صداقات تستمر لعقود، وخصومات قد تتجاوز حدود الرياضة، وبين «التوأمة» والعداء، تبقى هوية الجماهير جزءاً أساسياً من ثقافة كرة القدم الإسبانية، بكل ما تحمله من شغف وتناقضات.



