رصد تلسكوب جيمس ويب الفضائي إشارة ضوئية غريبة من منطقة في الفضاء لا يظهر فيها مصدر معروف يفسرها، في اكتشاف أثار تساؤلات لدى علماء الفلك بشأن طبيعتها ومصدرها المحتمل.
طرحت الإشارات مجموعة من الأسئلة، فهل جاءت من مجرة قديمة تعود إلى بدايات الكون، أم من منطقة تحيط بثقب أسود هائل، أم أن وراءها ظاهرة أخرى لم تتضح بعد؟
وبحسب موقع «IFLScience» العلمي، لم يتمكن الباحثون من تحديد مصدر الإشارة، حتى بعد مقارنتها بصور وبيانات سابقة للمنطقة نفسها، وتكمن أهمية الاكتشاف في أن الإشارة ظهرت رغم عدم العثور على جرم سماوي معروف يمكن ربطها به.
كيف اكتشف العلماء الإشارة؟
استخدم الباحثون أداة موجودة على متن تلسكوب جيمس ويب، تُعرف باسم «مطياف الأشعة تحت الحمراء القريبة»، وتساعد هذه الأداة العلماء على تحليل الضوء القادم من الأجرام السماوية، إذ تكشف تفاصيل لا يمكن رؤيتها بمجرد النظر إلى الصورة، وتساعد على معرفة طبيعة الجسم الذي أصدر الضوء.
وتضم الأداة آلاف الفتحات الصغيرة التي يمكن فتحها وإغلاقها للتحكم في الضوء الذي يصل إليها. واستفاد العلماء من هذه الخاصية لحجب ضوء المجرات والأجسام الساطعة المعروفة، حتى يتمكنوا من البحث عن إشارات خافتة قد تختفي وسط الضوء القوي.
وباستخدام هذه الطريقة، رصد الفريق إشارة تتكون من خط ضوئي واحد في نطاق الأشعة تحت الحمراء، وهو ضوء لا تراه العين البشرية، لكنه يمكن رصده بأجهزة متخصصة، ولم يتمكن الباحثون من تحديد الجسم الذي أصدر هذا الضوء.
لماذا لم تظهر الإشارة في الصور السابقة؟
قارن الباحثون الإشارة ببيانات مسح فلكي سابق يُعرف باسم «JADES»، أُجري في أكتوبر 2022. وكان من المتوقع أن يظهر مصدر الإشارة في تلك البيانات لو كان ساطعاً بما يكفي.
لكن العلماء لم يعثروا على مصدر واضح، رغم رصد الإشارة أكثر من مرة ومن زوايا مختلفة، وهذا يعني أن البيانات المتاحة لم تقدم تفسيراً كافياً لما شاهدوه، وليس بالضرورة أن الإشارة جاءت من مصدر خارج القوانين المعروفة للفيزياء.
هل جاءت الإشارة من بدايات الكون؟
أحد التفسيرات المحتملة هو أن الضوء صدر عن الهيدروجين الموجود في مجرة بعيدة جداً، ربما تشكلت في المراحل الأولى من عمر الكون.
ويشرح العلماء هذه الفكرة من خلال ظاهرة تُعرف باسم «الانزياح الأحمر»، فعندما ينتقل الضوء عبر الكون الذي يتمدد باستمرار، يزداد طول موجته، وقد يتحول الضوء الذي بدأ في صورة أشعة فوق بنفسجية إلى أشعة تحت حمراء يمكن لتلسكوب جيمس ويب رصدها.
وإذا صح هذا الاحتمال، فقد تكون الإشارة قادمة من مجرة بدائية يعود ضوؤها إلى فترة مبكرة جداً من تاريخ الكون، لكن هناك مشكلة، إذ كان من المفترض أن تظهر مثل هذه المجرة في بيانات الرصد السابقة إذا كانت ساطعة بالقدر المتوقع، كما أن الضوء القادم من تلك الفترة المبكرة يواجه صعوبة في المرور عبر كميات كبيرة من غاز الهيدروجين الذي كان يملأ الكون.
هل يقف ثقب أسود وراء الإشارة؟
درس الباحثون احتمالاً آخر، وهو ارتباط الإشارة بما يُعرف باسم «النواة المجرية النشطة»، وهي منطقة شديدة السطوع في مركز مجرة، تنتج طاقة كبيرة عندما تقترب المواد من ثقب أسود هائل وتسقط باتجاهه.
وقد يكون الإشعاع الصادر عن هذه المنطقة قد وصل إلى سحابة غازية قريبة، فأنتج الضوء الذي رصده التلسكوب. لكن هذا التفسير يواجه صعوبة أيضاً، لأن مثل هذه الظواهر تنتج عادة إشارات ضوئية أخرى كان يُتوقع ظهورها إلى جانب الإشارة المكتشفة.
ولذلك، لا يستطيع العلماء حتى الآن تأكيد أن ثقباً أسود أو مجرة بعيدة يقف وراء هذا الاكتشاف.
ماذا يحتاج العلماء لحل اللغز؟
تشير الدراسة المنشورة في مجلة «The Astrophysical Journal» إلى عدة احتمالات، منها مجرة بدائية فقيرة بالعناصر الثقيلة، أو منطقة نشطة حول ثقب أسود بعيد، أو مصدر أقرب نسبياً لم تتضح طبيعته.
ويحتاج الباحثون إلى توجيه التلسكوب نحو المنطقة مرة أخرى، وتحليل الضوء بتفصيل أكبر، بحثاً عن إشارات إضافية تساعد على تحديد المسافة إلى المصدر وطبيعته.
تظل الإشارة لغزاً علمياً لم يُحسم بعد، ولا يعني ذلك اكتشاف جسم خارق أو ظاهرة تتحدى قوانين الفيزياء، بل إن العلماء رصدوا ضوءاً لم يتمكنوا من تحديد مصدره، ويحتاجون إلى مزيد من البيانات لمعرفة قصته.

