تثير موجة جديدة من الأجهزة المدعومة بالذكاء الاصطناعي مخاوف متزايدة بشأن الخصوصية، مع طرح شركات تكنولوجية كبرى، بينها «أبل» و«أمازون» و«ميتا»، إلى جانب شركات ناشئة، أدوات قابلة للارتداء تستطيع الاستماع إلى المحادثات وتحليلها وتلخيصها على مدار اليوم، ما يفتح تساؤلات قانونية حول معالجة أحاديث الآخرين دون موافقتهم.
وبحسب تقرير نشرته شبكة «سي إن بي سي» الأميركية، تختلف هذه الأجهزة عن مكبرات الصوت الذكية التقليدية التي تعمل عند سماع كلمة تنبيه محددة، إذ تستطيع بعض التقنيات الجديدة الاستماع بصورة مستمرة إلى الكلام، واستخلاص معناه وتحويله إلى ملخصات مكتوبة، حتى دون الاحتفاظ بالتسجيل الصوتي الأصلي.
وتشمل هذه الفئة نظارات «ميتا» الذكية المزودة بكاميرات، وأجهزة صغيرة لتدوين الملاحظات تُعلّق حول الرقبة أو تُثبّت على الملابس، إلى جانب ساعات ذكية مزودة بخصائص تعتمد على الذكاء الاصطناعي.
كما كشفت «أمازون» عن أجهزة جديدة تحمل اسم Bee Frontier وBee Eclipse، صُممت لتسجيل تفاصيل اليوم وتفريغ المحادثات وتحليلها، بما يساعد المستخدمين على تنظيم مواعيدهم وتذكر المهام.
وفي المقابل، تثير هذه الإمكانات مخاوف من أن يصبح الأشخاص المحيطون بمستخدم الجهاز جزءاً من عملية جمع البيانات دون علمهم أو موافقتهم، خصوصاً في الأماكن العامة والاجتماعات والمحادثات الخاصة.
أسئلة قانونية جديدة
تكمن إحدى أبرز الإشكاليات في أن عدم حفظ التسجيل الصوتي لا يعني بالضرورة عدم التقاط محتوى المحادثة أو معالجته، فبعض القوانين الأميركية المتعلقة بالتنصت تركز على اعتراض الاتصالات أو الحصول على مضمونها، وليس فقط على إنشاء ملف صوتي يمكن الرجوع إليه لاحقاً.
وقال كولن زيك، محامي الخصوصية وأمن البيانات في شركة «فولي هوغ»، أن الأنظمة التي تستقبل الكلام باستمرار وتفسره وتحوله إلى ملخص مكتوب قد تثير تساؤلات قانونية، حتى إذا لم تحتفظ بالتسجيل الصوتي الأصلي.
وأشار التقرير إلى أن بعض الولايات الأميركية تتبنى تعريفات واسعة لاعتراض الاتصالات، ففي ماساتشوستس، يشمل تعريف أجهزة الاعتراض معدات قادرة على نقل الاتصالات أو استقبالها أو تضخيمها أو تسجيلها، كما يمكن أن يشمل مضمون الاتصال معناه ومحتواه.
وفي نيوهامبشير، يرى دانيال باي، الأستاذ المساعد في كلية الحقوق بجامعة نيوهامبشير فرانكلين بيرس، أن الصياغة القانونية قد تشمل بعض خصائص الذكاء الصوتي في الساعات الذكية، لأنها تغطي الحصول على محتوى الاتصال بوسائل سمعية أو غيرها.
وقد يترتب على ذلك احتمال تعرض الشخص الذي يستخدم هذه الخصائص أثناء محادثة خاصة، دون موافقة الأطراف الأخرى حيث يشترط القانون ذلك، لمسؤولية مدنية أو جنائية. ومع ذلك، أوضح باي أن احتمال الملاحقة الفعلية قد يكون أقل، لا سيما إذا لم يترتب على الاستخدام ضرر واضح.
هل يتحمل المستخدم المسؤولية بدلاً من الشركة؟
لا تقتصر الأسئلة القانونية على الشركات المصنعة، بل قد تمتد إلى الشخص الذي يرتدي الجهاز ويشغّل خصائصه، ففي بعض الحالات، قد تقع المسؤولية على المستخدم الذي يلتقط مضمون محادثة خاصة دون الحصول على الموافقات المطلوبة، بدلاً من الشركة التي طورت التقنية.
وتقول «أبل» إن خاصية تدوين الملاحظات الصوتية الجديدة في ساعتها لا تحفظ الصوت ولا ترسل التسجيلات إلى خوادمها ولا تتضمن مراجعة بشرية. كما ذكرت «أمازون» أن أجهزة Bee لا تحتفظ بالتسجيلات الصوتية، وأن المحادثات تُعالج ضمن بيئة آمنة لا تستطيع الشركة نفسها الوصول إلى بيانات المستخدم فيها.
لكن هذه الضمانات التقنية لا تحسم جميع المسائل القانونية، إذ يبقى السؤال متعلقاً بما إذا كانت معالجة الكلام واستخلاص معناه تندرج ضمن تعريفات التنصت المعمول بها في بعض الولايات.
مراقبة أشخاص لم يختاروا التقنية
تتجاوز المخاوف مسألة المسؤولية القانونية إلى احتمال تعرض أشخاص للمراقبة دون أن يمتلكوا الأجهزة أو يعلموا بوجودها.
وقال مايكل ستوكس، المسؤول السابق في وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية ونائب رئيس التقنيات الناشئة في شركة «فيلانت»، إن المشكلة الأساسية تكمن في إمكانية مراقبة أشخاص لم يختاروا استخدام هذه التكنولوجيا أصلاً.
وأوضح أن انتشار الكاميرات والميكروفونات وأجهزة الاستشعار في النظارات والساعات ومسجلات الملاحظات يجعل جمع البيانات أكثر سهولة، فيما يساعد الذكاء الاصطناعي على تحليل كميات كبيرة منها واستخلاص معلومات عن هوية الأشخاص ومواقعهم وعلاقاتهم.
وبدلاً من الحاجة إلى آلاف الساعات لجمع المعلومات وفرزها وتحليلها، تستطيع الأدوات الجديدة أتمتة جانب كبير من هذه العمليات، ما يخفض تكلفتها ويزيد قدرتها على استخلاص تفاصيل من بيانات جُمعت بصورة عرضية.
وفي محاولة لمنح الأفراد قدرة أكبر على حماية خصوصيتهم، طورت شركة «ديفيلانس» جهازاً يحمل اسم Spectre I، يستخدم الذكاء الاصطناعي لرصد الأجهزة القريبة وإرسال إشارات مصممة لتشويش الكلام قبل أن تتمكن الميكروفونات من معالجته.


