لم تعد الإضاءة في المدن الحديثة مجرد بنية خدمية هدفها تبديد العتمة أو تأمين الطرق، بل أصبحت جزءاً من أدوات التخطيط الحضري وصناعة الهوية البصرية للمكان؛ فالمدينة التي تُرى نهاراً بصورة معينة، يمكن أن تعيد تقديم نفسها ليلاً بصورة مختلفة تماماً، حين تتحول الواجهات والممرات والجسور والساحات والمباني التاريخية إلى عناصر داخل مشهد بصري متكامل.
ومن هذا المنطلق، يأتي مشروع «إضاءات خور دبي»، الذي بدأت بلدية دبي تنفيذه بتوجيهات سمو الشيخ حمدان بن محمد بن راشد آل مكتوم، ولي عهد دبي نائب رئيس مجلس الوزراء وزير الدفاع، رئيس المجلس التنفيذي لإمارة دبي. ويهدف المشروع إلى تطوير تجربة بصرية وحضرية متكاملة تمتد على طول خور دبي، بما يتجاوز مفهوم الإنارة التقليدية وتوزيع وحدات الإضاءة على ضفتي الخور، إذ يقوم المشروع على منظومة متكاملة توظّف الإضاءة لإبراز الخصائص التاريخية والمعمارية والثقافية لكل منطقة، وتعزيز حضورها ضمن المشهد الحضري الليلي، بما يقدّم تجربة متصلة ومتكاملة تمتد لنحو ثمانية كيلومترات على امتداد الخور.
ويغطي المشروع ست مناطق رئيسة: رصيف الخور، وممشى الخور عند سوق الذهب، ومدخل الخور عند جسر إنفينيتي، ومنطقة الشندغة التاريخية، وسوق بر دبي، ومرسى السيف.
لغة عمرانية
وفي مشروع «إضاءات خور دبي»، يتحول الضوء إلى لغة عمرانية جديدة؛ فلا يأتي بوصفه عنصراً إضافياً إلى المكان، بقدر ما يعيد تشكيل المشهد وتوجيه العين نحو تفاصيل وملامح قائمة أصلاً، لتظهر في سياق بصري مختلف خلال ساعات الليل.
وتنطلق فلسفة المشروع كذلك من خصوصية كل منطقة من مناطق الخور، فلا يُراد للمشهد أن يتحول إلى شريط ضوئي موحّد ومتماثل، وإنما إلى سلسلة من المشاهد المتباينة، لكل منها هويتها وشخصيتها المستمدة من طابعها المعماري ووظيفتها وذاكرتها. ووفقاً لبلدية دبي، صُممت منظومة الإضاءة بما يراعي الخصائص المعمارية والتراثية للمناطق المختلفة، إلى جانب تحقيق الراحة البصرية، وتعزيز سلامة المشاة، والحد من أي آثار محتملة للإضاءة على البيئة البحرية.
وفي حالة خور دبي تكتسب الفكرة بعداً رمزياً آخر؛ فالأضواء التي كانت تاريخياً تساعد السفن والتجار على الاهتداء إلى ضفاف الخور تعود اليوم بوظيفة مختلفة: لا لتقود حركة التجارة وحدها، وإنما لتقود العين إلى ذاكرة المكان وتعيد صياغة العلاقة بالمدينة المعاصرة.
ميناء وواجهة
لا يمكن فهم مشروع «إضاءات خور دبي» بعيداً عن تاريخ الخور نفسه؛ فعلى ضفاف هذا الممر المائي تشكل جزء أساسي من الحياة الاقتصادية والعمرانية لدبي، وارتبط الخور لسنوات طويلة بحركة السفن والتجارة والأسواق، قبل أن تمتد المدينة وتتوسع حوله ثم تتجاوزه إلى مناطق جديدة.
وتصف بلدية دبي خور دبي بأنه كان «شرياناً حيوياً» للتجارة، ونقطة انطلاق أساسية للتطور العمراني والاقتصادي للإمارة. وتمنح هذه المكانة التاريخية أي مشروع يعيد تشكيل صورة الخور بعداً يتجاوز التدخل الجمالي في فضاء مائي؛ فالخور يمثل حالة نادرة في مدن المنطقة، إذ لم يتحول، رغم التحولات الكبرى التي شهدتها المدينة، إلى موقع تاريخي معزول أو متحف مفتوح، بل ظل جزءاً حياً من تفاصيل الحياة اليومية.
ولا تزال الأسواق والحركة التجارية والمراكب والممرات والمناطق التراثية تحيط بالخور وتمنحه حضوره المتجدد، في وقت تتوسع حوله أنماط جديدة من السياحة والضيافة والأنشطة الثقافية. ومن هنا، فإن تطوير المشهد البصري للخور لا ينطلق من التعامل معه كعنصر من الماضي، وإنما بوصفه مساحة حية تتقاطع فيها ذاكرة دبي مع حاضرها ومستقبلها.
وهنا تنتقل وظيفة الخور تدريجياً من مجرد كونه شاهداً على تاريخ التجارة إلى كونه واجهة ثقافية وسياحية واجتماعية تستثمر التاريخ في صناعة الحاضر.
مشروع ودلالة
في هذا الصدد قال المهندس رشاد بوخش، رئيس جمعية التراث العمراني: «خور دبي هو ذاكرة المكان؛ فعلى ضفتيه نشأت الأسواق والأحياء القديمة، ومنه انطلقت حركة التجارة والسفن والغوص على اللؤلؤ، وحوله تشكلت مناطق ديرة وبر دبي والشندغة، لذلك فإن مشروع «إضاءات خور دبي» يمثل فرصة لإعادة تقديم هذا التاريخ بلغة معاصرة، تجمع بين جمال المشهد واحترام الهوية العمرانية».
وأضاف: «الإضاءة الناجحة هي التي تُظهر جمال المباني وتفاصيلها المعمارية من دون أن تنافسها. ولهذا يُفضل استخدام درجات ضوئية دافئة تتلاءم مع مواد البناء التقليدية وألوان الجص والحجر والخشب، مع الحد من الألوان الصارخة أو المؤثرات الضوئية المبالغ فيها في النطاقات التراثية».
وأكد أنه يمكن أيضاً أن يكون لكل منطقة على امتداد الخور سيناريو إضاءة يعكس طابعها؛ فالشندغة التاريخية لها طبيعتها، والأسواق القديمة في ديرة لها أجواؤها، وكذلك العبرات، والمراسي، والجسور، والمباني الحديثة، على أن يجمعها إطار تصميمي موحد يحافظ على وحدة المشهد.
ويرى بوخش أن المشروع يشكل فرصة لتحويل الإضاءة إلى وسيلة لسرد قصة دبي، من خلال إبراز المباني التاريخية ومسارات التجارة القديمة ومواقع العبرات والأسواق، وربطها بتقنيات رقمية تقدم للزائر معلومات عن تاريخ المكان.
وتابع: «كما ينبغي أن يحظى جانب الاستدامة باهتمام كبير، عبر استخدام التقنيات الموفرة للطاقة، والتحكم الذكي في مستويات الإضاءة، والحد من التلوث الضوئي وتأثيراته على البيئة المائية».
واختتم حديثه: «إن نجاح مشروع «إضاءات خور دبي» لن يُقاس بكمية الضوء، وإنما بقدرته على إظهار روح المكان والمحافظة على أصالته. فالخور لا يحتاج إلى إضاءة تغير هويته، بل إلى إضاءة تساعدنا على قراءة تاريخه بصورة أجمل».








