في مشهد حالم مليء بالمياه داخل ولاية كيرالا الهندية يسرد مؤلف الكتب الأكثر مبيعاً، إبراهام فيرغيز، في أحدث رواياته «عهد الماء»، قصص شبه القارة الهندية، من خلال حياة عائلة متماسكة تتقاسم سراً قاتماً عبر ثلاثة أجيال.
الرواية تأتي بعد مرور عقد من نشر روايته «قطع الحجر»، التي أصبحت ظاهرة أدبية في عام 2009، ويروي على صفحاتها ملحمة مذهلة، تدور أحداثها خلال الفترة بين 1900 و1977 على ساحل مالابار، في تغطية بانورامية لفترة تاريخية حديثة للهند.
ويرسم فيرغز الحياة المتتالية لشخصياته بربطها، خلال أزمنة الحرب والرياح الموسمية والمجاعة وغيرها، معالجاً قضايا الحب والفقدان والإيمان والطب، وهذا التاريخ المعقد الواسع للهند يربط بينه شخصيات نابضة بالحياة وتفاصيل دقيقة، وجولة حميمة في الثقافات والمناظر الطبيعة، والأعراف عبر العصور.
وفي الكتاب نتعلم الإجراءات الجراحية والتشريحية، وعن الهند والانقسامات الطبقية والاضطرابات الاجتماعية في القرن العشرين، وعن مجموعة من الأطعمة، ومعلومات حول الهندسة المعمارية والزراعة وبنية العائلة والتحولات الاجتماعية والفكرية في الهند.
ويُعرف عن الكاتب، الذي يعمل طبيباً مكانته الخاصة في المشهد الأدبي الحديث، حيث تتصف أعماله ببنية أخلاقية متسقة وعميقة روحياً. شخصياتها أشخاص طيبون، تحدث لهم أشياء فظيعة، وفي روايته الأخيرة يلاحق العائلة بلاء غريب: في كل جيل يموت فرد منها على الأقل غرقاً.
أحداث
ونُدرك أن للأسرة تاريخاً غريباً، ومع تكشف أحداث تاريخية مختلفة تمر بها العائلة في «الهند البريطانية»، وبعد الاستقلال نختبر فترات في حياتها من خلال الحب والفقدان.
ونتعرف على الأم أماتشي، ساردة القصص في الرواية، والذي يعني اسمها «الأم الكبرى»، والتي تشهد على تحولات منزلها على مدى حياتها غير العادية. يقر فيرغيز أنه استند في روايته إلى بعض القصص في مخطوطة، كتبتها والدته بيدها من أربعين صفحة رداً على طلب من حفيدتها، عارضاً براعته في مشاهد من المهارة الطبية ولحظات من الفكاهة، وسرد مؤثر وشخصيات مشبعة بجوهر الحياة.
وفي الرواية يتناول صراعات الولادة والموت والعمليات الجراحية، بكثير من التعاطف، مظهراً أحاسيس ببصيرة ثاقبة وتعاطف، بما في ذلك مع عدد من النساء.
مغزى
تستهل الرواية في عام 1900 مع استعداد فتاة بعمر 12 عاماً في كيرالا لزواج مدبر، وتنتهي في عام 1977 مع اكتشاف صادم للأسرة التي يعيش أفرادها حياة صعبة، ولكنها سعيدة في معظم الأحيان.
مارياما تتزوج «أرمل» يبلغ من العمر 40 عاماً، عائلة زوجها لديها «حالة طبية سرية». «العروس» تصبح العمود الفقري الأمومي في العائلة. نراها تفرح في الولادات والصداقات الجديدة، وتحزن على المآسي التي لا حصر لها، ويستوعب قلبها بقلب رحب كل شيء وكل شخص، سواء أكان يسبب الألم أو الراحة. وينسج الطبيب الجراح فيرغيز روابط ذات مغزى في تفاصيل الرواية آخذاً وقته للكشف كيف كل شيء، مثل الممرات المائية متصل، ويتدفق معاً في النهاية.
أسلوب
سواء في وصف جنون التوابل الذي يجتاح أوروبا، أو المناظر الساحلية الخلابة لكيرالا، أو نسمات مدراس المسائية، يكتب بأسلوب غنائي عن تلك التفاصيل الفريدة.
يصف نسيم المساء في مدراس «روائح بساتين الفاكهة والملح مادة مخدرة محمولة في الهواء تُنسي الحرارة القاسية لليوم»، وهي استراحة من «روائح الجلد المعالج والقطن والبخور والمياه المالحة، المكونات الأساسية للرائحة العتيقة لهذه الحضارة القديمة».
ونظراً لاستناده إلى دفتر والدته فإن هناك ما يضفي أجواء ضبابية مهدئة على تلك الذكريات العاطفية، حتى مع تقدم الكتاب نحو الأزمنة الأحدث فإن حبكة الكتاب مليئة بالصدف والدراما، وتدخل القارئ داخل عائلة مليئة بالأحزان، ولكنها مطمئنة بشكل غريب، ويروي الكاتب الكثير من المآسي بنبرة لا تحيد عن الأمل.
استحضار
وصفت صحيفة «نيويورك تايمز» الرواية بأروع الروايات الأدبية، التي نشرت في السنوات الأخيرة، في أجوائها استحضار متلألئ للهند المفقودة على مر الزمن، وترنيمة للتقدم في الطب والتفاهم بين البشر، وشهادة على المصاعب، التي مرت بها الأجيال الماضية ،من أجل بقاء الأجيال المقبلة.
وتروي العديد من المشاهد في الرواية تاريخ المرض والطب والجراحة في الهند من عام 1900 فصاعداً، ويستكشف فيرغيز كيف تطور موقف العلم تدريجياً تجاه الجذام والولادة والإدمان، وتثير الأزمات الطبية مجالاً للكاتب، للاستفادة من تجربته العميقة وفلسفته الإنسانية.
أدب
كذلك تتضمن الرواية تأملات حول معنى الفن والأدب، وكيف تحدد التسلسلات الهرمية الاجتماعية مسارات الحياة، وأهمية فهم الماضي للعيش في الحاضر.
هذا ما يقوله أحد جيران العائلة أثناء تعليمه ابن اماتشي، فليبوس، قراءة قصة أدبية «الخيال هو الكذبة الكبرى التي تخبرنا بالحقيقة حول كيف يعيش العالم»، وهذا رد الطالب في منتصف الكتاب: «الأم الكبرى، عندما أصل إلى خاتمة الكتاب يكون قد مرت أربعة أيام فقط. عشت خلالها عبر ثلاثة أجيال، وتعلمت المزيد عن العالم، وعن نفسي أكثر مما عرفته خلال سنة في المدرسة. يموت إهاب وكويكويج وأوفيليا وشخصيات أخرى على الصفحات حتى نعيش حياة أفضل».
