تقليل السكر في بداية الحياة يحمي الصحة النفسية لعقود

 هل يمكن لكمية السكر التي يتعرض لها الإنسان قبل ولادته وخلال سنواته الأولى أن تترك أثراً في صحته النفسية بعد عقود؟ دراسة علمية حديثة تستند إلى تجربة تاريخية عاشتها بريطانيا بعد الحرب العالمية الثانية، تفتح الباب أمام احتمال أن تمتد تأثيرات التغذية المبكرة إلى مرحلة البلوغ، لتشمل مخاطر الإصابة بالقلق والاكتئاب.

ووجدت الدراسة، التي نُشرت في مجلة «General Psychiatry» في 7 يوليو 2026، أن الأشخاص الذين تعرضوا لقيود تقنين السكر خلال مراحل مبكرة من حياتهم سجلوا معدلات أقل للإصابة بالاضطرابات النفسية في مرحلة البلوغ، مقارنة بمن لم يتعرضوا لهذه القيود.

وبحسب النتائج، ارتبط التعرض لتقنين السكر قبل الولادة وخلال الطفولة المبكرة بانخفاض خطر الإصابة بالقلق بنسبة 17%، والاكتئاب بنسبة 14%، مقارنة بالأشخاص الذين لم يتعرضوا لهذه الظروف الغذائية المبكرة.

واستند الباحثون إلى تحليل بيانات 66,223 مشاركاً في قاعدة بيانات البنك الحيوي البريطاني «UK Biobank»، ممن وُلدوا في الفترة المحيطة بقرار إنهاء تقنين السكر في المملكة المتحدة، مستفيدين من هذا التحول التاريخي لدراسة العلاقة المحتملة بين استهلاك السكر في بداية الحياة والصحة النفسية على المدى الطويل.

خلال الحرب العالمية الثانية والسنوات التي تلتها، فرضت بريطانيا نظاماً صارماً لتقنين المواد الغذائية، شمل تحديد كميات السكر التي يمكن للأسر شراؤها.

واستمر هذا النظام حتى سبتمبر 1953، عندما رُفعت القيود، لتشهد البلاد ارتفاعاً ملحوظاً في استهلاك السكر.

وأتاح هذا التغيير فرصة بحثية نادرة للعلماء، إذ أمكن مقارنة أشخاص وُلدوا في فترات اختلفت فيها مستويات توافر السكر خلال الحمل والسنوات الأولى من العمر، في ما يشبه تجربة طبيعية تساعد على دراسة التأثيرات الصحية المحتملة للتغذية المبكرة.

واعتمد الباحثون على تواريخ ميلاد المشاركين ومدى تزامن مراحل حياتهم الأولى مع فترة التقنين، لتقدير حجم تعرضهم للقيود الغذائية، بدءاً من التعرض خلال الحمل فقط، وصولاً إلى امتداد التقنين خلال السنوات الأولى بعد الولادة.

ارتباط أقوى

وأظهرت النتائج أن الارتباط الأقوى ظهر لدى الأشخاص الذين تعرضوا لتقنين السكر طوال أول ألف يوم من بداية الحمل، وهي فترة تشمل الحمل ونحو العامين الأولين من حياة الطفل.

وسجلت هذه المجموعة انخفاضاً نسبياً في خطر الإصابة بالقلق بنحو 24%، وبالاكتئاب بنحو 21%، مقارنة بمن لم يتعرضوا لتقنين السكر في تلك المرحلة.

كما لاحظ الباحثون أن انخفاض المخاطر ارتبط عموماً بطول فترة التعرض لقيود السكر، ما يشير إلى احتمال أهمية التغذية خلال المراحل المبكرة جداً من نمو الإنسان في تشكيل صحته النفسية مستقبلاً.

ولم تقتصر الملاحظات على معدلات الإصابة، بل امتدت إلى توقيت تسجيل التشخيصات الطبية؛ إذ ظهر أول تشخيص مسجل للقلق لدى الأشخاص الذين تعرضوا للتقنين طوال الألف يوم الأولى بعد نحو عامين إضافيين، فيما تأخر أول تشخيص للاكتئاب بنحو أربعة أعوام، مقارنة بمن لم يتعرضوا للتقنين.

تطور الدماغ

يرجح الباحثون أن التغذية خلال الحمل والسنوات الأولى من العمر قد تؤثر في تطور الدماغ وتنظيم استجابة الجسم للتوتر والعمليات الالتهابية، وهي عوامل ترتبط بدورها بالصحة النفسية على المدى الطويل.

ومع ذلك، لم تختبر الدراسة هذه الآليات بصورة مباشرة، كما أن نتائجها لا تثبت أن تقليل السكر هو السبب المباشر وراء انخفاض معدلات القلق والاكتئاب.

ويشير الباحثون إلى أن الدراسة اعتمدت على توقيت تطبيق سياسة التقنين، وليس على سجلات غذائية فردية توضح بدقة كمية السكر التي تناولتها الأمهات والأطفال، ما يعني احتمال تأثر النتائج بعوامل أخرى، من بينها اختلاف الأنظمة الغذائية للأمهات والظروف المحيطة بالأسر.

نتائج

وتؤكد هذه النتائج أهمية مواصلة الأبحاث حول تأثير التغذية في المراحل المبكرة من الحياة، ليس فقط في النمو الجسدي، وإنما أيضاً في تطور الدماغ والصحة النفسية، ومدى امتداد هذه التأثيرات إلى مراحل متقدمة من العمر.