في مصر، لم يعد الذهب مجرد زينة تُشترى في مناسبات الأفراح والادخار "على المهل"، داخل سوق الذهب في القاهرة، تتبدّل اللغة اليومية للتجار والزبائن، فيتراجع الحديث عن "الشكل" ويرتفع الكلام عن "القيمة"، وأقل عن "الخاتم والسلسلة" وأكثر عن "السبيكة والجنيه"، تقلبات الأسواق والضبابية الاقتصادية أعادت رسم أولويات شريحة متزايدة من المشترين؛ لم يعودوا يبحثون عن اللمعان بقدر ما يبحثون عن ملاذ يحفظ ما تبقى من القوة الشرائية، فتولد "اقتصاد الخوف" ودفع سوق السبائك الذهبية للاشتعال.
فما السبب وراء تحوّل الطلب من المشغولات إلى السبائك والعملات الذهبية؟ وما هي الدوافع كما يرويها تجار ومشترون ومسؤولون في القطاع؟ ويضعه في سياقه العالمي حيث يتقدم الذهب مجدداً إلى واجهة "الأصول الآمنة".
في قلب السوق، يتحدث صائغون عن زيادة ملحوظة في الطلب على السبائك الصغيرة، بوصفها الخيار الأسرع والأوضح لمن يريد تحويل السيولة إلى أصل ملموس، ويختصر الصائغ محمد عابدين الصورة بأرقام بسيطة لكنها كاشفة: ما كان متجر مجوهرات يبيعه خلال أسبوع من سبائك وزنها 10 غرامات، أصبح اليوم يخرج من المحل بكميات أكبر وبسرعة أعلى.
في شهادته لرويترز، يصف عابدين التحول على أنه انتقال من طلب "محدود وموسمي" إلى طلب "يومي ومتسارع"، ويقدّم مثالاً بالغ الدلالة: إذا توفرت لديه كميات كبيرة من السبائك فقد تُستنفد خلال يوم واحد، ليست المسألة، وفق ما يفهم من روايته، مجرد ارتفاع مشتريات، بل تغيير في "إيقاع" السوق نفسه.
لماذا يختار الناس السبائك؟
عند الاستماع للمشترين، لا يظهر الذهب كترفٍ استهلاكي، بل كأداة دفاع مالي، حسين مصطفى، أحد المشترين، يوضح دوافعه بصيغة مباشرة: السبيكة "تحتفظ بقيمتها أكثر" لأن تكلفتها الإضافية أقل من المشغولات.
ويتفق معه مشترٍ آخر، مصطفى بكر، بوصف السبائك بأنها "أفضل استثمار" مقارنة بالمشغولات، مبرراً ذلك بأن المصنعية في السبائك أقل، وبالتالي فإن الفارق بين سعر الشراء وسعر "الذهب الخام" يكون أضيق.
هنا، تصبح "المصنعية" نقطة المفصل:
المشغولات: سعر الذهب + تكلفة تصنيع/تصميم + هامش أعلى غالباً.
السبائك/الجنيهات: أقرب إلى الذهب الخام، بمصاريف أقل نسبياً، وسهولة أكبر في التسعير.
في لحظات القلق الاقتصادي، يميل المشترون إلى المنتج الأقل "تكلفة زائدة"، حتى لو كان أقل جاذبية من الناحية الشكلية، وكأن السوق يعلن: ما يهم الآن هو "النقاء" و"سهولة التحويل"، لا "الزينة".
من داخل أروقة القطاع، يربط إيهاب واصف، رئيس شعبة الذهب والمعادن الثمينة في اتحاد الصناعات المصرية، هذا التحول بعامل أوسع: القلق حول حماية المدخرات، الفكرة الأساسية في حديثه أن عدم اليقين بشأن الاحتفاظ بالنقود عجّل انتقال شريحة واسعة إلى شراء الجنيهات والسبائك، وأن هذا التحول اقتطع جزءاً كبيراً من حصة سوق المشغولات.
من جهته، يضيف هاني ميلاد، رئيس شعبة الذهب والمجوهرات في الاتحاد العام للغرف التجارية المصرية، بُعداً زمنياً للتغير: ارتفاع الأسعار كان سريعاً، والناس تلجأ إلى الذهب بهدف الحفاظ على القوة الشرائية "نتيجة للتضخم والظروف الاقتصادية". ويذهب أبعد من ذلك حين يصف القفزة السعرية بأنها غير مسبوقة خلال فترة زمنية قصيرة مقارنة بخبرة طويلة في القطاع.
وا يمكن فصل موجة الإقبال المحلية عن السياق العالمي. تشير المادة إلى أن أسعار الذهب سجلت مستويات قياسية في أواخر يناير عندما تجاوزت 5100 دولار للأوقية، مدفوعة بإقبال المستثمرين على الملاذات الآمنة مع تصاعد التوتر الجيوسياسي.
لكن السوق لا يتحرك في خط مستقيم: في يوم الخميس 12 فبراير، تراجع الذهب بنسبة 0.4% بعد بيانات قوية لسوق العمل الأمريكية خففت الآمال في خفض قريب لأسعار الفائدة، ورغم ذلك، بقي الطلب مدعوماً بعوامل المخاطر الجيوسياسية، ومنها التوتر بين الولايات المتحدة وإيران.
في العادة، يُنظر إلى الذهب كأصل يزداد بريقه عندما تتزايد المخاطر السياسية والاقتصادية، وتتراجع توقعات العائد الحقيقي على بدائل الادخار، إضافة لارتفاع المخاوف من تآكل القوة الشرائية.
وهذا بالضبط ما يلتقطه السوق المحلي: عندما تصبح "القراءة" صعبة، يبحث الناس عن شيء مفهوم وبسيط: أصل ملموس له تاريخ طويل في حفظ القيمة.
ارتفاع السعر يرفع الإقبال لا يطفئه
منطقياً، قد يبدو ارتفاع السعر سبباً لتراجع الشراء، لكن شهادات التجار تعكس مفارقة شائعة في لحظات عدم اليقين: ارتفاع السعر نفسه قد يعمل كمحفّز إضافي، لأنه يرسّخ الاعتقاد بأن الذهب يتحرك صعوداً كملاذ آمن، وأن الانتظار قد يعني الدخول بسعر أعلى لاحقاً.
وبينما يُقال إن الزيادة المحلية "سارت على نهج الارتفاع العالمي"، فإن النتيجة في السوق واحدة: زيادة حركة شراء السبائك والجنيهات، هنا، يتحول الشراء من "قرار استهلاكي" إلى "قرار توقيت"، ومن "اختيار ذوقي" إلى "خيار دفاعي".
ما الذي يتغير داخل صناعة الذهب؟
هذا التحول لا يبدّل سلوك الأفراد فقط، بل يضغط أيضاً على طبيعة العرض، فورش المشغولات قد تواجه تراجعاً نسبياً إذا استمرت موجة تفضيل السبائك، والمتاجر تعيد ترتيب أولويات المخزون، فتوافر السبائك والجنيهات قد يصبح حاسماً مثل توافر المشغولات سابقاً.
والزبون يطلب منتجاً "أقرب إلى السعر العالمي" ووأوضح في التسعير، ما يعيد تعريف المنافسة داخل السوق.
لكن التحول يحمل أيضاً مخاطره: الذهب ليس ضماناً مطلقاً للربح على المدى القصير، وتقلباته واردة، كما أن قرار الادخار بالذهب يظل رهناً بتوقيت الشراء والبيع وبحركة الأسواق.
في النهاية، لا يبدو الإقبال على السبائك والعملات الذهبية في مصر مجرد "موضة استثمارية"، بل استجابة واضحة لمناخ اقتصادي مُربك، يتقدم فيه سؤال واحد على غيره: كيف أحمي قيمة ما ادخرت؟
تجار السوق يرون طلباً يتسارع، والمشترون يرددون منطقاً واحداً: "مصنعية أقل وقيمة أقرب للذهب الخام". أما مسؤولو القطاع فيضعون ذلك تحت عنوان أكبر: عدم اليقين بشأن المدخرات وتآكل القوة الشرائية. وبين المحلي والعالمي، يواصل الذهب أداء دوره التقليدي: ملاذٌ حين تختلط الإشارات، ومؤشرٌ حين يزداد القلق.


