دخلت المصرفية المركزية مرحلة جديدة مع تسارع تطور العملات المستقرة والذكاء الاصطناعي والبنية التحتية المالية الرقمية، ما يفرض على البنوك المركزية وصنّاع السياسات تطوير أطر تنظيمية تجمع بين حماية الاستقرار المالي وتشجيع الابتكار المسؤول، وفقاً لما طرحه هوارد تشانج، رئيس الاستراتيجية في شركة EssentaTor Inc. والدبلوماسي السابق بالأمم المتحدة والمستثمر المستقل.
وأكد تشانج، خلال كلمة رئيسية ألقاها نيابة عن صندوق EssentaTor للسيولة الاستراتيجية لرأس المال العربي «EAC» في مؤتمر Money20/20 الشرق الأوسط، أن تصميم الأطر التنظيمية وسياسات العملات المستقرة والبنية التحتية المالية المدعومة بالذكاء الاصطناعي أصبحت عوامل مؤثرة في المرونة النقدية والتنافسية الوطنية.
وقال إن التنظيم المالي يجب أن يحمي الاستقرار ونزاهة الأسواق، دون أن يتحول إلى عائق أمام الابتكار، محذراً من أن القواعد المتقادمة قد تنتج مخاطر جديدة عبر الحد من الابتكار المسؤول والوصول إلى البنية التحتية المالية الناشئة.
وأشار تشانج إلى التطورات الأخيرة في الولايات المتحدة، موضحاً أن قانون GENIUS قد وضع إطاراً اتحادياً للعملات المستقرة المخصصة للمدفوعات. كما أشار إلى مقترحات أوسع بشأن هيكل الأسواق، بما في ذلك قانون وضوح سوق الأصول الرقمية الذي لا يزال قيد الدراسة، إضافة إلى القواعد المقترحة التي أصدرها مكتب مراقب العملة لتنفيذ قانون GENIUS ووصف هذه التطورات بأنها أمثلة على الاستفادة من الوضوح التنظيمي لدعم الابتكار المسؤول مع الحفاظ على الرقابة.
وحول العملات المستقرة، أوضح تشانج أن دعم الاحتياطي بنسبة واحد إلى واحد (1:1) يجب أن يُفهم كإطار للسيولة والاسترداد بدلاً من فرض بقاء كل أصل احتياطي ثابتاً دون تغيير. فبموجب الإطار المقترح من مكتب مراقب العملة، سيتعين على الجهات المصدرة الحفاظ على احتياطيات محددة ومتاحة بالكامل، مع إمكانية إدارة الأصول الاحتياطية المؤهلة ضمن حدود صارمة لتلبية التزامات الاسترداد.
وأضاف أن عملات الدولار المستقرة يمكنها توسيع نطاق سيولة الدولار لتصل إلى شبكات تسوية عابرة للحدود تعمل على مدار الساعة. وفي الوقت نفسه، حذر من أن إصدار عملة مستقرة بالعملة المحلية لا يخلق بحد ذاته طلباً دولياً عليها، مشيراً إلى أن الاعتماد الدولي يتوقف على سيولة العملة الأساسية، والطلب عابر الحدود، وعمق سوق الأصول، والربط الشبكي للتسويات، وحالات الاستخدام العملي.
وأشار تشانج إلى ضرورة تقييم السيادة النقدية ليس فقط من خلال قدرة الدولة على إصدار العملة، بل أيضاً من خلال قدرتها على إدارة ارتباطاتها بالنظام النقدي العالمي مع الحفاظ على الاستقرار الداخلي والتحكم في السياسات. ودعا إلى إيجاد مسارات تنظيمية تسمح للاقتصاديات بالتعامل مع بنية تحتية رقمية ممتثلة للدولار دون إزاحة الدور المحلي للعملات الوطنية.
وقد استعرضت الكلمة ثلاثة أطر عمل عملية لتحقيق هذا الهدف:
أولاً، توفير إطار مزدوج المسار ومكتمل يجمع بين الدور المحلي للعملات الوطنية والوصول المنظم إلى بنية تحتية لعملات الدولار المستقرة ومغطاة بالكامل باحتياطيات. وبموجب هذا النهج، تستمر العملات المحلية في ترسيخ النشاط الاقتصادي المحلي، بينما تدعم العملات المستقرة السيولة والتسويات العابرة للحدود. ويمكن التنسيق والرقابة على تدفقات العملة المحلية والدولار والعملات المستقرة للمساعدة في تقليل التجزئة، في حين يمكن لإدارة احتياطيات الدولار، وسندات الخزانة الأمريكية، والأصول الاحتياطية المؤهلة أن تدعم توزيع السيولة وإدارة مخاطر الصرف الأجنبي.
ثانياً، توفير إطار حسابات مدعوم بالذكاء الاصطناعي للبنوك التجارية ومؤسسات المدفوعات، ويركز هذا النموذج على خدمة العملاء المعززة بالذكاء الاصطناعي، والتسوية الفورية، والتوافق مع العملات المستقرة، والكفاءة التشغيلية. ويهدف صندوق EAC إلى دعم البنوك المركزية في تطوير أطر ابتكارية تساعد المؤسسات المحلية على تحديث الأنظمة القديمة والمنافسة بفعالية أكبر في مجال التمويل الرقمي.
ثالثاً، توفير أطر محاسبية أكثر وضوحاً وتوافقاً للعملات المستقرة والأصول الرقمية الأخرى. وحدد تشانغ مجالات الاعتراف المحاسبي، والتثمين، والتسوية، وإدارة المخاطر، والإفصاح كوجوه تتطلب اتساقاً أكبر للمساعدة في تمكين الشركات من إدراج الأصول الرقمية ضمن التقارير المالية الرسمية. وأكد أن الدول التي تطور معايير موثوقة ستعزز مكانتها كمراكز إقليمية لتسوية التمويل الرقمي والأنشطة المؤسسية.
ومن خلال صندوق EAC، تعتزم EssentaTor العمل مع البنوك المركزية والمؤسسات المالية بشأن استراتيجيات لتعزيز المصداقية المؤسسية، والبنية التحتية المالية، والتبني المسؤول للتمويل الرقمي. ويجمع النهج المقترح للصندوق بين تصميم الأطر التنظيمية، والمرونة النقدية، والخدمات المصرفية المدعومة بالذكاء الاصطناعي، والمعايير القابلة للتشغيل البيني.
واختتم تشانج كلمته قائلاً: «تُعد العملات المستقرة أدوات للإدارة، والذكاء الاصطناعي وسيلة لتعزيز القدرة على الإدارة. الاستقرار الحقيقي لا يعني الجمود. والسيادة الحقيقية تتطلب التطور المستمر. والمستقبل سيكون لمن يستعدون لصياغة قواعد مسؤولة».

